حسم مصرف لبنان المركزي قراره الاستراتيجي بمواصلة ضخ السيولة بالدولار الامريكي لصالح المودعين اللبنانيين لفترة عام كامل قابلة للتجديد، وهي الخطوة التي تهدف الى منح مئات الالاف من المستفيدين فرصة للحصول على حصص شهرية تساعدهم في مواجهة الاعباء المعيشية الخانقة والتضخم المتزايد في ظل ظروف اقتصادية صعبة. وياتي هذا القرار كتدبير مؤقت لامتصاص الغضب الشعبي وتوفير حد ادنى من الامان المالي للعائلات التي فقدت القدرة على الوصول الى مدخراتها بالكامل منذ سنوات.
وتشكل قضية الودائع المحتجزة جوهر الازمة النقدية والمالية التي يعيشها لبنان منذ نحو سبع سنوات، حيث لا تزال السلطات عاجزة عن تقديم خطة انقاذ شاملة تتضمن اصلاحات هيكلية جذرية تتوافق مع المعايير الدولية، مما يعيق اي اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي الذي يشترط وضوح الرؤية المالية والقدرة على سداد الالتزامات.
واكد مصدر مالي مطلع ان مبادرة البنك المركزي الاخيرة تهدف الى تحفيز البرلمان اللبناني على الاسراع في اقرار قانون استعادة الانتظام المالي، بالتزامن مع تعديلات قانونية تضمن حماية القطاع المصرفي من الانهيار الكامل مع مراعاة حقوق المودعين الذين اصبحوا الضحية الاولى لغياب الرؤية الاقتصادية للدولة.
مسؤولية الدولة ومصداقية السداد
وبين مسؤول في مصرف لبنان ان استرداد الودائع ليس مجرد خيار سياسي بل هو حق قانوني ثابت، موضحا ان المصداقية المالية تتطلب توافر اصول حقيقية وسيولة فعلية وجدول زمني للتنفيذ، مشددا على ان الدولة التي استخدمت اموال المودعين لسنوات طويلة يجب ان تتحمل مسؤوليتها بشكل صريح ومحدد قانونيا ضمن خطة التعافي.
وكشفت التقديرات ان المشروع الحكومي الحالي يفتقر الى تحديد دقيق لحجم الفجوة المالية، مما يثير مخاوف المودعين من ان يتم تحميلهم العبء الاكبر للخسائر عبر اقتطاعات قسرية، بينما يركز الفريق الاقتصادي الحكومي على وعود بسداد حقوق غالبية المودعين الصغار خلال سنوات، مع اغفال مساهمة الدولة المشروطة بتحقيق فوائض في الموازنة العامة.
واوضح حاكم مصرف لبنان كريم سعيد ان الهدف هو ايجاد حل عادل ومستدام يضمن حماية المودعين الصغار والمتوسطين، مشيرا الى ان الخطة يجب ان تعتمد على مزيج من المدفوعات النقدية والسندات المالية المضمونة مع تحديد جداول زمنية واضحة تمنع استسهال رمي الخسائر على كاهل المودعين وحدهم.
تسييل الاصول وتراكم الاموال الجديدة
وتعهد البنك المركزي بتسييل جميع الاصول التي يملك صلاحية التصرف بها، بما في ذلك حصصه في الشركات ومحفظته العقارية والسندات المالية، وذلك في مسعى لتعزيز السيولة المتاحة للوفاء بالالتزامات تجاه المودعين، موضحا ان جميع الديون المستحقة له على الدولة ستخضع للتدقيق والمصادقة لضمان استردادها.
واضافت البيانات الموثقة ان نحو 579 الف مودع يستفيدون حاليا من الحصص الشهرية، حيث ساهمت هذه الالية في زيادة بند الاموال الجديدة بالدولار لدى المصارف، مما يعكس نجاحا جزئيا في استعادة جزء من الثقة عبر توفير تدفقات نقدية بالعملة الصعبة للمقيمين والمؤسسات، في وقت تتقلص فيه القيمة الحقيقية للودائع القديمة بسبب تدهور سعر الصرف.
وبينت الارقام ان حجم الودائع الذي كان يتجاوز 170 مليار دولار قبل الازمة قد انكمش بشكل كبير، حيث تلاشت قيمة الودائع بالليرة اللبنانية بنسبة تقارب 99 بالمئة، مما يضع التحدي الاكبر امام اي خطة انقاذ في كيفية التعامل مع هذا الاندثار المريع واعادة بناء النظام المالي على اسس اكثر صلابة وشفافية.
