لم تكن احداث السابع من اكتوبر مجرد اختراق امني عابر او فشل استخباري لحظي في تاريخ المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، بل شكلت صدمة كاشفة عن تآكل عميق في اسس العقيدة الامنية التي قامت عليها الدولة لعقود، حيث اصطدم مفهوم الردع والإنذار والحسم السريع بواقع ميداني جديد جعل من التكنولوجيا الدفاعية عاجزة امام هجوم بري واسع النطاق، مما دفع مراكز الابحاث العبرية وعلى رأسها مركز دادو التابع للجيش الى فتح نقاش استراتيجي حول مستقبل البقاء في المنطقة.
واكدت دراسات حديثة ان الحرب الحالية فرضت اعادة نظر شاملة في الثوابت التي اعتمدت عليها اسرائيل، حيث اظهرت الوقائع ان الخصم لم يعد يرتدع بالوسائل التقليدية، وان الانذارات الاستخباراتية لم تعد كافية لمنع وقوع الكوارث، واضاف الباحثون ان المشكلة تكمن في اهتزاز منظومة كانت تفترض ان القوة كفيلة بفرض الهدوء، ليتحول السؤال من كيفية الردع الى كيفية منع الخصوم من اعادة بناء قدراتهم العسكرية.
وبينت المذكرات التحليلية ان مفهوم الامن الاسرائيلي ظل لفترات طويلة اشبه بتورا شفوية غير مكتوبة، الا ان التحولات الاقليمية المتسارعة جعلت من تحديث هذه العقيدة ضرورة وجودية، وكشفت الابحاث ان الانتقال من استراتيجية الردع الى استراتيجية المنع يتطلب ثمنا باهظا يشمل سيطرة امنية طويلة الامد وانتشارا ميدانيا مكثفا واستخبارات دائمة، وهو ما يضع الجيش امام تحديات لوجستية وبشرية غير مسبوقة.
تآكل الردع وبحث عن بدائل
واوضح الخبراء ان الرهان الاسرائيلي على انشغال الخصوم بالجانب الاقتصادي والسياسي كان خطأ استراتيجيا فادحا، حيث استغلت الفصائل فترات الهدوء لتكديس القوة وتطوير البنية التحتية القتالية، واشار المحللون الى ان النقاش الدائر الان في الاوساط العسكرية يركز على تجاوز فكرة الردع التي ثبت فشلها في قياس نوايا الخصم، والتوجه نحو العمليات الاستباقية لمنع تراكم القوة، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر الاستنزاف الدائم للموارد.
وشدد الباحثون على ان محاولات التوسع في القدرات العسكرية قد تؤدي الى انهيار إداري واستنزاف للطاقة البشرية، خاصة مع وجود نقص حاد في اعداد الجنود المقاتلين، واضاف المراقبون ان الاعتماد على القوة المفرطة دون رؤية سياسية واضحة يجعل من الامن القومي الاسرائيلي مشروعا مفتوحا على المجهول، بعيدا عن الاستقرار الذي كانت تنشده الحكومات السابقة.
واكدت التقارير ان الواقعية الاستراتيجية تفرض على اسرائيل الموازنة بين طموحاتها العسكرية ومواردها المحدودة، محذرة من ان الانجراف وراء اوهام الحسم النهائي قد يجر الدولة الى صراعات طويلة الامد لا تملك القدرة على تحمل تكاليفها البشرية او الاقتصادية، خاصة في ظل تراجع الدعم الخارجي غير المشروط وتغير موازين القوى في المنطقة.
تحديات الاستدامة والواقعية الامنية
وبينت المعطيات الاقتصادية ان تكلفة الحرب تجاوزت مئات المليارات من الشواكل، مما حول الامن من بند طارئ الى عبء دائم يستنزف الميزانية العامة، واضاف المحللون ان الازمة لا تتوقف عند الجانب المالي، بل تمتد لتشمل الانقسامات الاجتماعية حول التجنيد، وهو ما يهدد تماسك الجبهة الداخلية التي تعتبر الركيزة الاساسية لاي عقيدة امنية طويلة المدى.
واظهرت الدراسات ان استمرار الاعتماد على الحلفاء الخارجيين اصبح محفوفا بالمخاطر، حيث لم تعد الذخائر والغطاء الدبلوماسي امرا مضمونا في كل الظروف، واشار الخبراء الى ان اسرائيل تجد نفسها اليوم امام خيارين احلاهما مر، اما الاستمرار في استراتيجية استنزاف طويلة ومكلفة، او الاعتراف بحدود قوتها والقبول بواقع امني هش يعتمد على فترات هدنة مؤقتة بدلا من الحسم الاستراتيجي.
وكشفت الخلاصة التحليلية ان مفهوم الامن الاسرائيلي فقد بريقه كضمانة للاستقرار، واصبح اقرب الى حالة من التوتر المستمر، حيث تدرك القيادة العسكرية ان القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لتغيير ملامح المنطقة، مما يضع اسرائيل امام مأزق استراتيجي يتطلب اعادة تقييم شاملة لكيفية ادارة الصراع في ظل ظروف داخلية وخارجية تزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
