لا تزال تداعيات الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الداخلي في لبنان، حيث تظهر البيانات المحدثة أن نحو مليون مواطن ما زالوا يفتقدون الاستقرار في منازلهم الاصلية، رغم التغيرات الميدانية التي شهدتها البلاد مؤخرا. وتكشف المعطيات أن هذه الازمة خلفت واحدة من اكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث، مما وضع ضغوطا هائلة على البنية التحتية والخدمات في المناطق التي استقبلت النازحين.
واضافت المؤشرات ان استمرار وجود مئات الالاف خارج مناطقهم يشير الى تحديات معقدة تتعلق بالامن والخدمات الاساسية، حيث لا تزال مراكز الايواء الجماعي تشهد حركة مستمرة لايواء المتضررين الذين لم يتمكنوا من العودة بعد. واظهرت الاحصائيات ان نسبة النازحين الحالية تعادل نحو 16 في المائة من مجموع السكان، وهي ارقام تعكس حجم التحدي الاجتماعي الذي تواجهه الدولة.
وبينت التقارير ان الذروة التي سجلت في وقت سابق تجاوزت عتبة المليون ومئتي الف نازح، ومع ذلك، فان الاعداد الحالية تظل مرتفعة بشكل لافت للنظر، مما يفرض على الجهات المعنية ضرورة التعامل مع هذه الكتلة البشرية الكبيرة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
توزع النازحين وضغط المناطق
واوضحت البيانات ان النازحين ينتشرون عبر 26 قضاء في مختلف انحاء البلاد، لكن الثقل الاكبر يتركز في مناطق محددة تتحمل العبء الاكبر من هذه الازمة. واكدت الارقام ان مدن بيروت وعاليه والشوف وصيدا وبعبدا تستقطب وحدها نحو 76 في المائة من اجمالي النازحين، مما يفسر حالة الاكتظاظ والضغط الخدماتي في هذه المناطق.
وشددت المصادر على ان التوزع الجغرافي للنازحين يكشف عن تفاوت كبير، حيث تستقبل العاصمة بيروت وحدها اكثر من 230 الف نازح، تليها مناطق جبل لبنان والشوف التي اصبحت ملاذا لالاف العائلات الفارة من مناطق العمليات العسكرية. واشارت الاحصائيات الى ان التحدي لا يقتصر على الاعداد فحسب، بل يمتد ليشمل قدرة هذه المناطق على توفير مقومات العيش الكريم للقادمين اليها.
وكشفت الارقام ان نسبة ضئيلة من النازحين تقيم في مراكز ايواء جماعية، بينما يعتمد الغالبية العظمى على استئجار مساكن خاصة او السكن لدى اقارب، وهو ما يعكس محاولة النازحين الحفاظ على شكل من اشكال الاستقلالية رغم قسوة الظروف التي فرضتها الحرب.
عقبات العودة والواقع الميداني
واكدت التقارير ان حركة العودة بدأت فعليا في بعض المناطق، حيث سجلت اقضية مثل بعلبك وبعبدا نسبا ملحوظة من العائدين، الا ان هذه العودة تظل محكومة بمدى توفر الامن والخدمات. واوضحت ان نحو 97 في المائة من العائدين تركزوا في خمسة اقضية رئيسية، وهو ما يظهر ان العودة لا تزال انتقائية ومرتبطة بمدى تعافي البنية التحتية في القرى والبلدات المتضررة.
واضافت ان بطء وتيرة العودة يعود بشكل اساسي الى المخاوف الامنية المستمرة، بالاضافة الى الدمار الذي لحق بالمساكن والمرافق العامة، مما يجعل عودة العائلات الى منازلها امرا محفوفا بالمخاطر. وبينت ان فقدان مصادر الدخل وتوقف الاعمال في المناطق المتضررة يشكلان حاجزا اضافيا امام استعادة الحياة الطبيعية.
وختمت المصادر بان معالجة ملف النزوح ستظل في صدارة الاولويات الوطنية، خاصة وان المناطق التي تعرضت للدمار تحتاج الى خطط اعمار شاملة وخدمات اساسية قبل ان يتمكن السكان من العودة بشكل امن ومستدام الى قراهم ومنازلهم.
