كثير من الاشخاص يخرجون من لقاءات اجتماعية او مقابلات عمل وهم محملون بمشاعر القلق والندم، حيث يبدأ العقل في مراجعة كل كلمة قيلت وتحليل نبرة الصوت وتصيد الاخطاء وكأن الشخص يقف امام محكمة ذاتية قاسية، والحقيقة ان هذا الشعور بالتقصير غالبا ما يكون بعيدا كل البعد عن الواقع، فالطرف الاخر قد يكون خرج من اللقاء بانطباع ايجابي تماما ومستمتع بالحوار.

ويطلق الخبراء على هذا التضارب في التقييم مصطلح فجوة الاعجاب، وهي تعبر عن المسافة النفسية بين ما يظنه الفرد حول انطباع الاخرين عنه وبين ما يشعر به الطرف الاخر فعليا، وتكمن المفارقة في ان الكثيرين يقتنعون بانهم تركوا اثرا سلبيا بينما الواقع يثبت انهم كانوا مقبولين ومحل ترحيب اكثر مما يتصورون.

وتكشف الدراسات النفسية ان هذا التناقض نابع من آلية عمل الدماغ البشري الذي يميل لتضخيم الهفوات الشخصية، حيث يركز الفرد على زلاته الصغيرة بينما يغفل عن حقيقة ان الطرف الاخر مشغول بمراقبة ادائه هو الاخر او محاولة فهم الحديث بشكل عام.

التركيز على الاخطاء.. عدسة مشوهة للذات

واوضحت ابحاث علمية ان احد الاسباب الرئيسية لهذه الفجوة هو ظاهرة التكبير الانتقائي للاخطاء، حيث يميل العقل بعد انتهاء اي لقاء الى تسليط الضوء على لحظة صمت واحدة او جملة غير دقيقة وتضخيمها بشكل مبالغ فيه، متجاهلا في المقابل اللحظات الايجابية التي سارت بسلاسة.

واضاف المختصون ان هذه المشكلة ليست نقصا في الوعي بل هي انحياز ادراكي يجعلنا نرى انفسنا بصرامة شديدة لا نطبقها على الاخرين، فعندما نخطئ نعتبره فشلا ذريعا، بينما عندما يخطئ غيرنا نعتبره امرا طبيعيا وعرضيا.

وبينت الدراسات ان العقل البشري مبرمج على اكتشاف التهديدات الاجتماعية، مما يجعله يحتفظ بارشيف من المواقف المحرجة التي قد لا يتذكرها الطرف الاخر اطلاقا، وهذا ما يخلق شعورا زائفاً بالخجل الاجتماعي.

لماذا نكذب على انفسنا بعد الحوارات؟

واكدت الخبيرات في العلاج النفسي ان الانسان يعيش في مستويين اثناء اي حوار، الاول هو الكلام الموجه للخارج، والثاني هو صوت داخلي ناقد يعلق على كل تفصيلة، وهذا الصوت يلتقط كل تعثر ويحوله الى دليل على عدم القبول الاجتماعي.

واشارت التحليلات النفسية الى ان ما يسمى بمتلازمة الاضواء تجعل الشخص يعتقد ان الاخرين يلاحظون كل تفاصيله الصغيرة بالدقة نفسها التي يلاحظها هو، بينما الحقيقة انهم مشغولون باصواتهم الداخلية الخاصة بهم تماما كما انت منشغل بصوتك.

وتابعت موضحة ان غريزة البقاء القديمة في ادمغتنا تضخم المخاوف لضمان القبول ضمن المجموعة، مما يجعلنا نختار السيناريو الاسوأ دائما في تفسير ردود فعل الاخرين، خاصة في ظل غياب المعلومات الكاملة عما يدور في عقولهم.

خطوات عملية لردم فجوة الاعجاب

وشدد الخبراء على ان الثقة بالنفس تبدأ بادراك ان الصوت الناقد داخلك لا يملك الحقيقة المطلقة، فالشعور بعدم الارتياح بعد اللقاء ليس دليلا على فشله بل هو مجرد تشويش ادراكي ناتج عن المراجعة الزائدة.

واوضحت الممارسات النفسية اهمية تدريب العقل على موازنة التقييم، فبدلا من التركيز على خطأ واحد، يجب استحضار الصورة الكاملة للمحادثة، بما في ذلك الاسئلة التي طرحها الطرف الاخر واهتمامه بالتفاعل معك.

واضافت ان ادراك حقيقة ان الطرف الاخر يعاني من نفس الفجوة ويقلق بشأن انطباعك عنه، يخفف كثيرا من حدة الاحكام التي نصدرها على انفسنا، مما يساعدنا على عيش تفاعلاتنا الاجتماعية بسلام وواقعية اكبر.