تشهد اسواق الطاقة العالمية تحولات لافتة مع دخول الاعفاءات الامريكية المؤقتة لصادرات النفط الايرانية حيز التنفيذ، حيث تترقب الاوساط الاقتصادية مدى قدرة طهران على الاستفادة من هذه النافذة الزمنية المحدودة بـ 60 يوما. ورغم التوقعات بضخ مليارات الدولارات في خزينة الدولة، الا ان الطريق نحو تحويل هذه المكاسب الى واقع ملموس لا يزال محفوفا بالعقبات القانونية والمالية المعقدة.

وكشف الخبير في شؤون الطاقة عامر الشوبكي عن وجود فجوة كبيرة بين اجمالي المبيعات النفطية وصافي السيولة المتاحة للإنفاق، موضحا ان تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد الايراني على الصمود. واظهرت البيانات ان الصادرات النفطية سجلت قفزة ملحوظة تجاوزت 70 بالمئة في الفترة الاخيرة، لتصل الى نحو 640 الف برميل يوميا في محاولة لتخفيف الضغوط المالية.

واكد الشوبكي ان هذه التسهيلات ليست سوى مسكنات مؤقتة لا ترقى لحل الازمات الهيكلية التي يعاني منها قطاع الطاقة. وبين ان الاعفاءات تمنح طهران متنفسا قصيرا، الا ان التحديات المتعلقة بالتحويلات المصرفية تظل العائق الاكبر امام الاستفادة الكاملة من هذه الاموال.

واقع الاقتصاد الايراني تحت المجهر

واضاف الشوبكي ان الاقتصاد الايراني يبدو اليوم وكأنه داخل غرفة انعاش، حيث تهدف الحوافز الامريكية الى تمرير جرعات من الاوكسجين لضمان استمرار دوران العجلة الاقتصادية بحدودها الدنيا. واوضح ان هناك ثلاثة محاور رئيسية تتحكم في هذا المشهد، وهي الارصدة المالية المجمدة، ومشاريع البنية التحتية، والمهلة الزمنية الصارمة التي لا تتجاوز شهرين.

وتابع الشوبكي ان المخاوف من العقوبات لا تزال تسيطر على الدول المستوردة للنفط، مما يؤخر عمليات الدفع المباشر ويجعل الوصول الى العوائد رحلة طويلة عبر المسارات البنكية المعقدة. واشار الى ان طهران قد تلجأ الى تسييل مخزونات عائمة كانت مجهزة مسبقا للالتفاف على القيود الحالية.

وشدد الخبير على ان التعاملات الدولية لا تزال مقيدة بسبب وجود ايران على اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي الدولية، وهو ما يجعل المستثمرين والدول يترددون في اتمام الصفقات الكبرى دون ضمانات قانونية واضحة.

قيود تجارية وازمات انتاجية

وكشفت التقارير ان الادارة الامريكية تفرض قيودا صارمة على استخدام هذه العوائد، حيث تشترط توجيهها نحو سلع معينة بعيدا عن الانفاق العسكري او الاستثمارات غير المنضبطة. واوضحت ان واشنطن تسعى لتوظيف هذه الاموال في شراء منتجات زراعية، مما يفرض على طهران خيارات تجارية محدودة لا تتماشى دائما مع اولوياتها الوطنية.

وبين الشوبكي ان قطاع البتروكيماويات الايراني تكبد خسائر فادحة جراء العقوبات، خاصة في مناطق حيوية مثل ماهشهر وعسلوية التي شهدت تراجعا كبيرا في انتاجيتها. واكد ان اعادة تشغيل الحقول النفطية التي توقفت سابقا بسبب امتلاء الخزانات ستستغرق وقتا طويلا ومبالغ طائلة لا تتوفر حاليا.

واشار الى ان طهران التي كانت تصدر ملايين البراميل في عقود سابقة تجد صعوبة بالغة اليوم في الحفاظ على معدلات انتاج مستقرة، موضحا ان الاسواق العالمية تراقب هذه التطورات عن كثب لما لها من تأثير مباشر على اسعار النفط الخام عالميا.

جدل المقايضات والالتزامات

واكدت التصريحات الرسمية المتبادلة وجود تضارب في الرؤى حول كيفية صرف الاموال المفرج عنها. وبينما تصر واشنطن على حصر الاستخدام في المواد الغذائية، ترفض طهران وجود التزام قانوني يربطها بشراء منتجات زراعية امريكية محددة، مما يفتح الباب امام المزيد من التجاذبات السياسية.

واضاف الشوبكي ان واشنطن تلوح باستمرار بفرض قيود اضافية في حال شعرت ان طهران تحاول استغلال هذه الاموال في اغراض غير متفق عليها. واوضح ان الهدف الامريكي من هذا الاتفاق هو موازنة اسعار الطاقة عالميا مع الحفاظ على الضغط الاقتصادي الممنهج على طهران.

وختم الخبير تحليله بالقول ان الايام القادمة ستكشف مدى قدرة الطرفين على الالتزام ببنود هذه المذكرة المؤقتة، وسط تساؤلات حول ما اذا كانت هذه الانفراجة ستتحول الى اتفاق طويل الامد ام ستنتهي بانتهاء المهلة الزمنية المحددة.