بقلم: طارق عوده

حين يُغلق مشروع استثماري بلغت كلفته عشرة ملايين دينار، لا ينبغي أن يكون الخبر مجرد عنوان عابر، بل يجب أن يتحول إلى قضية رأي عام. فالمشروع الذي يولد بهذا الحجم لا يحمل معه حجارةً وحديدًا فقط، بل يحمل فرص عمل، وأحلامًا، ورسالةً لكل مستثمر يفكر بأن يضع أمواله في هذا البلد.

لكن الأخطر من الإغلاق نفسه، هو ما يتداوله الناس من روايات وأسئلة حول الأسباب. وعندما تنتشر روايات تتحدث عن ضغوط أو تدخلات أو خلافات مع أصحاب نفوذ، فإن الواجب ليس تبنيها أو الجزم بصحتها، بل المطالبة بكشف الحقيقة كاملة. فالصمت في مثل هذه القضايا يقتل الثقة أكثر مما يقتلها أي قرار إداري.

هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها تساؤلات حول مصير مشاريع ناجحة. فقد سبق أن أثيرت نقاشات حول ظروف واجهها رجال أعمال ومستثمرون، ومن بينهم زياد المناصير، كما شهدت مدينة السلط إغلاق أحد المقاهي التي كانت تُعد من أنجح المشاريع في المدينة. وقد تختلف ظروف كل حالة، لكن النتيجة واحدة: كل مشروع يخرج من السوق يطرح سؤالًا مؤلمًا عن بيئة الاستثمار.

لا أحد فوق القانون، ولا أحد يجب أن يكون تحت رحمة النفوذ إن وُجد. فإذا كان هناك مستثمر أخطأ، فالقانون هو الفيصل. أما إذا كانت هناك تجاوزات أو ضغوط مورست على أي مشروع، فمن حق الأردنيين أن يعرفوا الحقيقة كاملة، ومن واجب المؤسسات المختصة أن تحقق بشفافية وتعلن نتائجها للرأي العام.

الاقتصاد لا يعيش بالشعارات، ولا بجلسات التصوير مع المستثمرين، ولا بالمؤتمرات التي تتحدث عن جذب رؤوس الأموال. الاقتصاد يعيش عندما يشعر المستثمر أن القانون يحميه، وأن نجاحه لن يتحول إلى عبء، وأن المنافسة تُحسم بالكفاءة لا بأي اعتبار آخر.

إن أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى المستثمر، أردنيًا كان أم عربيًا أم أجنبيًا، هي أن نجاح مشروعه قد لا يكون كافيًا لضمان استمراره. وعندها لن يخسر صاحب المشروع وحده، بل سيخسر العامل الذي فقد وظيفته، والدولة التي فقدت استثمارًا، والشباب الذين فقدوا فرصة، والوطن الذي يحتاج اليوم إلى كل دينار يُستثمر فيه.

المطلوب ليس بيانات إنشائية، بل حقائق. وليس وعودًا، بل ضمانات. وليس إسكات الأسئلة، بل الإجابة عنها. فالدول القوية لا تخشى التحقيق، ولا تخاف من كشف الحقائق، لأن الشفافية هي أساس الثقة، والثقة هي أساس أي اقتصاد يريد أن ينهض.

أما ترك الأسئلة معلقة، فهو ما يصنع الإشاعات، ويهز صورة الاستثمار، ويجعل كل مستثمر يفكر ألف مرة قبل أن يغامر برأس ماله في بلد يحتاج اليوم إلى كل مشروع ناجح أكثر من أي وقت مضى.