كشفت تقارير استخباراتية حديثة عن حالة من الجمود الاستراتيجي تسيطر على المشهد بين واشنطن وطهران، حيث استبعد مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون أن تؤدي الغارات العسكرية المستمرة إلى تغيير جوهري في الموقف التفاوضي للنظام الإيراني. وأظهر التقييم الذي تداولته أوساط القرار في واشنطن أن الطرفين يعيشان حاليا في منطقة رمادية معقدة تجمع بين شبح الحرب ومحاولات السلام، وهو وضع يثير قلق صناع السياسة في البيت الأبيض في ظل تصاعد وتيرة الأعمال العدائية المتبادلة.

واضاف المحللون في وكالات التجسس الأمريكية أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تواجه معضلة حقيقية في مسارها التصعيدي، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا النهج قد وصل إلى طريق مسدود لا يضمن تحقيق نصر عسكري حاسم. وبينت التقارير أن خيارات مثل إرسال قوات برية تحمل مخاطر سياسية كبيرة للرئيس، خاصة مع تزايد حالة الاستياء الشعبي الداخلي، مما يجعل استمرار التصعيد دون أفق سياسي واضح مغامرة غير محسوبة العواقب.

واكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن باب الدبلوماسية لا يزال مواربا مع طهران، مشيرا إلى أن الجانب الإيراني يرسل إشارات متناقضة تجمع بين الرغبة في الحوار والتمسك بسلوكيات المواجهة العسكرية عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات ضد السفن. وأوضح روبيو أن الولايات المتحدة تواصل الرد على هذه الاستفزازات مع الحفاظ على استعدادها للحلول الدبلوماسية متى ما توفرت الظروف الملائمة لذلك.

استراتيجية الصمود الإيراني في مواجهة الضغوط

وكشفت وكالة الاستخبارات المركزية في تقريرها الأخير أن النظام الإيراني يمتلك قدرة ملحوظة على البقاء والاستمرار رغم الضربات الموجعة التي طالت قياداته العسكرية وأصوله الاستراتيجية. وأظهر التحليل الاستخباري أن طهران قادرة على امتصاص الصدمات لفترات طويلة، حتى في ظل الحصار الاقتصادي والعسكري، مما يجعل الرهان على انهيار النظام أو خضوعه السريع بسبب الضربات أمرا غير واقعي في المدى المنظور.

وبين نائب رئيس الاستخبارات الوطنية السابق لشؤون الشرق الأدنى جوناثان بانيكوف أن الاعتقاد السائد داخل بعض دوائر الإدارة الأمريكية بأن تكثيف الضربات سيجعل طهران أكثر مرونة هو تقييم خاطئ إلى حد بعيد. وأوضح بانيكوف أن بقاء النظام يمثل الأولوية القصوى للقيادة الإيرانية، وهي مستعدة لتحمل خسائر اقتصادية وبشرية فادحة من أجل الحفاظ على تماسك هيكلها السلطوي أمام الضغوط الخارجية.

وشدد خبراء استراتيجيون على أن المشهد القادم قد يشهد موجات من التصعيد الخطير تليها فترات هدوء تكتيكي، في ظل غياب خيارات حاسمة لدى أي من الطرفين لإنهاء الصراع. واشاروا إلى وجود صراع داخلي محتدم في طهران بين تيار يسعى للتهدئة وتيار متشدد داخل الحرس الثوري يرفض أي تنازلات، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في الوقت الراهن.