لا تقتصر اهمية الاحضان على المشاعر الدافئة فحسب بل تتعدى ذلك لتصبح لغة عصبية معقدة يتحدث بها الجسم. وتكشف الابحاث الحديثة ان العناق يعمل كمنظم خارجي للجهاز العصبي مما يساعد في خفض مستويات التوتر بشكل فوري. واظهرت الدراسات ان الدماغ البشري يمتلك قدرة فريدة على الدخول في حالة من التناغم مع الشخص الاخر اثناء التقارب الجسدي مما يولد ذاكرة جسدية عميقة تربط بين اللمس والشعور بالامان. وبين العلماء ان هذا الفعل البسيط يساهم في تهدئة الاستجابة الفسيولوجية للضغوط اليومية ويمنح الفرد شعورا بالاستقرار النفسي في مختلف مراحل العمر.

لغة جسدية تتجاوز الكلمات

وبين عالم السلوك ديسموند موريس ان العناق كان في بداياته طقسا للتحية يهدف الى توصيل رسالة طمأنينة مفادها ان الطرف الاخر لا يشكل تهديدا. واضاف ان هذا السلوك تطور ليصبح وسيلة تواصل غير لفظية تعبر عن الامتنان والتعاطف والمصالحة في مواقف متنوعة. واكدت نتائج العلوم السلوكية ان اللمس الاجتماعي يظل ركيزة اساسية لتعزيز الرفاهية النفسية والنمو العاطفي للانسان منذ طفولته وحتى مراحل البلوغ.

ابعاد عصبية وتأثيرات مذهلة

وكشفت دراسات حديثة ان تأثير العناق لا يتوقف عند اطلاق هرمونات السعادة بل يمتد ليشمل نظام الاندوكانابينويد في الدماغ المسؤول عن تنظيم الانفعالات والمكافأة. واوضحت الابحاث ان الجسم يفسر اللمس كشبكة عصبية متكاملة تتحكم في مدى شعورنا بالراحة او النفور تجاه الاشخاص. وشدد الباحثون على ان اللمس الحاني مثل الامساك باليد او التربيت يعمل كمنظم خارجي للتوتر عبر تهدئة الجهاز العصبي اللاارادي وتنظيم الهرمونات المرتبطة بالضغط النفسي.

هل نشتاق للاشخاص ام لتاثيرهم؟

واشار خبراء في علم النفس الى ان العناق يحقق وظائف بيولوجية بالغة الاهمية منها توقع وجود شخص آمن وتعديل الحالة الفسيولوجية للجسم. واضافوا ان غياب هذا التنظيم الخارجي عند فقدان الاشخاص المقربين قد يفسر شعور الانسان بالضيق والاشتياق المستمر. وبينت الدراسات ان الدماغ يستخدم اللمس كاداة للاستعداد للمستقبل من خلال تقييم المواقف الاجتماعية وتعديل الاستجابة الانفعالية قبل تفاقمها.

بدائل العناق في العصر الحديث

واكدت دراسات حديثة ان فوائد اللمس لا تقتصر على التلامس المباشر بل يمكن تحقيق نتائج مشابهة عبر تقنيات مثل عناق الفراشة الذاتي لتهدئة القلق. واضافت الابحاث ان العناق الافتراضي وحتى التفاعل مع شخصيات افتراضية قد يساهم في تخفيف الحزن بشكل ملحوظ. واوضحت النتائج ان الدماغ البشري يستجيب لمحاكاة اللمس بطرق تعزز الصحة العقلية حتى في غياب الطرف الاخر مما يفتح افاقا جديدة لفهم التطور الاجتماعي والعاطفي للانسان.