تشهد الساحة الليبية حراكا دبلوماسيا وعسكريا مكثفا تقوده انقرة مع مختلف الاطراف الفاعلة في البلاد، حيث تسارعت وتيرة اللقاءات بين المسؤولين الاتراك وقيادات عسكرية ليبية من الشرق والغرب خلال فترة وجيزة، مما يشي بتحول استراتيجي في المقاربة التركية تجاه الملف الليبي المعقد، ويضع تساؤلات جوهرية حول الاهداف الحقيقية وراء هذا الانفتاح الدبلوماسي المتسارع في ظل تعثر المبادرات الدولية لتوحيد السلطة.

واظهرت المباحثات الاخيرة التي اجراها وفد من حكومة الوحدة الوطنية مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي ووزير الخارجية، رغبة واضحة في ضبط ايقاع المشهد السياسي، خاصة مع تزايد الحديث عن مبادرة امريكية تهدف الى انهاء الانقسام المؤسساتي، واكد مراقبون ان هذه التحركات لا تاتي من فراغ بل تعكس محاولة تركية جادة لضمان موطئ قدم في اي تسوية سياسية مرتقبة قد تغير موازين القوى على الارض.

وبينت المعطيات الميدانية ان زيارة نائب القائد العام للجيش الوطني صدام حفتر الى تركيا ولقاءه بوزير الخارجية التركي، شكلت نقطة تحول في مسار العلاقات، حيث سعت الاطراف الى تعزيز التنسيق المشترك، واوضحت تلك الخطوة ان انقرة باتت تدرك ضرورة الانفتاح على كافة مراكز القوى في ليبيا لضمان مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، وتجاوز حالة الاستقطاب التي سادت في سنوات سابقة.

ابعاد التحرك التركي في المشهد الليبي

وكشفت تحليلات سياسية ان الهدف الرئيسي لانقرة يتمثل في حماية الاتفاقيات الامنية والعسكرية الموقعة مع طرابلس، خاصة تلك المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، واضاف خبراء ان تركيا تحرص على تامين نفوذها في شرق البحر المتوسط ومنافسة القوى الاقليمية والدولية المتواجدة في المنطقة، واشاروا الى ان الحضور الاقتصادي التركي في شرق ليبيا ومشاريع الاعمار والاستثمار في بنغازي، يمثلان ركيزة اساسية لتعزيز هذا النفوذ وضمان استدامة الشراكة الاستراتيجية.

واكد محللون ان هذه السياسة المتوازنة تاتي استجابة لمعادلات الواقع الجديد، حيث اصبحت القيادة العامة للجيش الوطني طرفا لا يمكن تجاوزه في اي ترتيبات امنية او سياسية قادمة، واوضح المحللون ان انقرة تسعى لبناء شبكة امان تحمي استثماراتها المستقبلية من مخاطر التهميش، معتبرين ان التواصل المباشر مع مختلف الاطراف الليبية هو الخيار الاكثر واقعية للحفاظ على المكاسب التركية في ظل تقلبات المشهد.

واشار خبراء استراتيجيون الى ان الحراك التركي يتقاطع مع مساعي اقليمية ودولية اوسع، وشددوا على ان انقرة تريد ان تكون شريكا فاعلا في اي تسوية سياسية تفرزها المبادرات الدولية، خاصة تلك التي تهدف الى توحيد السلطة التنفيذية، وبينت التطورات الاخيرة ان تركيا تتابع بدقة التحركات الميدانية والامنية في المدن الليبية لضمان عدم تأثر مصالحها باي تغييرات مفاجئة في هرم السلطة.

مستقبل العلاقات التركية الليبية في ظل المتغيرات

وكشفت اوساط سياسية ان المقترحات الحالية التي يتم تداولها بشأن توحيد السلطة التنفيذية، تجعل من التنسيق مع انقرة ضرورة ملحة لكافة الاطراف الليبية، واضافت ان الانفتاح التركي على الشرق والغرب ياتي في توقيت حساس، حيث تنتظر البلاد استحقاقات كبرى قد تعيد رسم الخارطة السياسية، واكدت ان انقرة تراهن على استقرار ليبيا كبوابة لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في شمال افريقيا.

واكدت مصادر مطلعة ان التحركات التركية لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات الطاقة والاعمار التي توليها انقرة اهتماما خاصا، واوضحت ان التنسيق المستمر يهدف الى خلق نقاط تقاطع مع كافة مراكز القوة الليبية، لضمان ان تظل تركيا لاعبا رئيسيا في اي ترتيبات امنية او عسكرية مستقبلية قد تشهدها البلاد.

وخلص مراقبون الى ان المشهد الليبي يتجه نحو مرحلة جديدة من التوازنات، وان الدور التركي سيظل مؤثرا في صياغة هذه المرحلة، واشاروا الى ان نجاح انقرة في بناء علاقات متوازنة مع مختلف الاطراف الليبية يعزز من فرصها في الحفاظ على نفوذها، معتبرين ان تكثيف الاتصالات هو انعكاس لادراك تركي عميق بان استقرار ليبيا هو الضمان الوحيد لحماية مصالحها الاستراتيجية في المتوسط.