في ليلة العاشر من اغسطس قبل عام عند الساعة الحادية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة تعرضت خيمة صحفيي الجزيرة في مجمع الشفاء الطبي بقلب غزة لاستهداف مباشر ومميت. كانت تلك الخيمة ملاذا لعدد من الصحفيين الذين لم يملكوا سوى كاميراتهم وميكروفوناتهم لنقل الصورة للعالم، لكنهم اصبحوا في نظر جيش الاحتلال اهدافا مشروعة للقتل.

رحل ستة صحفيين في تلك الليلة المأساوية وهم انس الشريف ومحمد قريقع ومؤمن عليوة ومحمد نوفل وابراهيم ظاهر ومحمد الخالدي. لقد تحولت غزة بعد رحيلهم الى ساحة حزن جماعي، حيث فقدت المدينة عيونها واصواتها التي كانت تنقل تفاصيل الموت اليومي حين غاب كل شيء الا الحقيقة.

واضاف زملاء الشهداء ان استهدافهم لم يكن مفاجئا في ظل حرب جعلت من الصحفي مهنة محفوفة بالمخاطر الدائمة، الا ان الاثر الذي تركوه كان عميقا وغير عابر في ذاكرة المدينة التي شهدت تضحياتهم الكبيرة.

سيرة لا تنطفئ

وبين الغزيون ان ذكرى هؤلاء الصحفيين لا تزال حاضرة في كل زاوية من زوايا غزة، حيث يرفض الناس تصديق رحيلهم ويؤكدون ان سيرتهم باقية ما بقي المكان. فالاماكن في غزة تحفظ وجوه من مروا بها وتختزن اصواتهم التي كانت تصدح بالحقيقة.

واكد شهود عيان ان مدرسة الفالوجة في جباليا لا تزال تشهد على انسانية الصحفي انس الشريف، حيث وثقت عدسته لحظات مؤثرة وهو يواسي طفلة نجت من مجزرة مروعة، ليتحول ذلك المشهد الى رمز للصمود والرحمة في قلب الجحيم.

واوضح مراقبون ان تلك اللقطات لم تكن مجرد مواد اعلامية، بل كانت جزءا من رسالة الصحفي الذي اختار ان يكون قريبا من وجع الناس، يشاركهم الخوف والامل ويحتضن الامهم بصدق وشجاعة.

انس الانسان

وكشفت مريم الشنباري التي ظهرت في صورة شهيرة مع الصحفي انس الشريف ان عناقه كان بمثابة الامان الوحيد لها في لحظات الرعب، مشيرة الى ان كلماته لا تزال محفورة في ذاكرتها بعد عام من رحيله.

واضافت اسلام ابو عمشة التي تداولت الناس مقاطع لها مع انس ان الشهيد كان انسانا قبل ان يكون صحفيا، حيث لم يكتف بنقل الوجع بل لامس قلوب الناس واقترب من معاناتهم بشكل شخصي ومؤثر.

وشدد مقربون من انس على ان مواقفه الانسانية كانت جزءا لا يتجزأ من عمله الصحفي، مما جعله اقرب الى قلوب الناس الذين رأوا فيه صوتا صادقا ينطق بلسانهم في زمن الصمت العالمي.

شوق في المنفى

وبينت عائلات الصحفيين ان عام الغياب كان اشبه بمسافة زمنية اتسعت فيها الفجوة بين الحياة والرحيل، خاصة بعد اجلاء العديد من زوجات واطفال الشهداء الى قطر بعيدا عن غزة.

واكدت والدة انس الشريف ان ما يهون عليها قسوة الفقد هو المحبة الكبيرة التي تركها ابنها في قلوب الناس، مشيرة الى انها تشعر بوجوده في كل دعاء يصلها من محبيه في كل مكان.

واضافت ان غياب ابنها خلف فراغا كبيرا، لكنها تجد العزاء في ان سيرته اصبحت نموذجا يحتذى به لكل من يبحث عن الحقيقة والكلمة الصادقة في زمن الحروب.

حياة بلا روح

وكشفت بيان السنوار زوجة الشهيد انس ان الحياة من بعده صارت مجرد ظلال بلا روح، حيث تحاول جاهدة مواجهة تحديات الحياة وتربية اطفالها الذين لا يزالون يبحثون عن ملامح ابيهم في الصور.

واوضحت ان ابنتها شام لا تزال تتحدث عن والدها وتتساءل عما اذا كان يعلم انها كبرت ودخلت المدرسة، بينما يحاول ابنها صلاح استحضار صورة ابيه من خلال الشاشة التي كانت وسيلته الوحيدة للتواصل معه.

وشددت على ان اطفالها يعيشون على ذكريات والدهم التي تحولت الى بوصلة لهم في حياتهم اليومية، رغم قسوة الواقع الذي حرمهم من دفء الابوة وحضوره الفعلي.

عالقة في الغياب

وبينت هالة قريقع زوجة الصحفي محمد قريقع ان عام الغياب لم يكن كافيا لاستيعاب الصدمة، حيث لا تزال تعيش تفاصيل اللحظة التي تلقت فيها خبر استشهاد زوجها.

واضافت ان غياب محمد يتجدد في كل مناسبة وفي كل تفصيلة صغيرة تستدعي وجود الاب، مما يدفعها للحديث المستمر عنه امام اطفالها لابقاء ذكراه حية وبطولاته حاضرة في وجدانهم.

واكدت ان محمد كان يمثل لها وللعائلة سندا كبيرا، وان محاولاتها لتعريف الاطفال بمسيرته هي طريقتها الخاصة في مواجهة النسيان والحفاظ على ارثه المهني والانساني.

وجوه خلف الكاميرا

وذكر الصحفي اسلام بدر ان الشهيد محمد قريقع مر بظروف قاسية جدا، فقد استشهدت والدته بعد اعتقاله، لكنه اختار تحويل هذا الالم الى دافع لمواصلة التغطية ونقل الحقيقة للعالم.

واضاف ان محمد حجز لنفسه مكانا مرموقا في قلوب المشاهدين بفضل مهنيته العالية وقوة تعبيره، رغم ان مسيرته كمراسل للجزيرة كانت قصيرة لكنها كانت مكثفة ومؤثرة.

وشدد بدر على ان قريقع لم يكن مجرد صحفي، بل كان شاهدا امينا على جرائم الحرب، حيث وضع حياته على المحك من اجل ان يوصل صوت المظلومين والمنكوبين في غزة.

نمط مختلف

واوضح الصحفي محمد شاهين ان انس الشريف صنع نمطا مختلفا في التغطية الصحفية، حيث كان يصر على نقل الاحداث من قلب الميدان وليس من مسافات آمنة، مما جعله صوتا لا يغيب عن المشهد.

واضاف ان انس وقريقع وزملاءهما كانوا من الاصوات القليلة التي استمرت في العمل رغم التهديدات المباشرة ومحاولات عزل شمال غزة عن العالم الخارجي.

وشدد شاهين على ان فقدان هؤلاء الصحفيين مثل خسارة كبيرة للمشهد الاعلامي الفلسطيني، نظرا لما تمتعوا به من شجاعة واصرار على العمل في اصعب الظروف الامنية.

تجربة استثنائية

وبين ياسر ابو هين رئيس منتدى الاعلاميين الفلسطينيين ان الحرب فرضت على الصحفيين تجربة استثنائية، حيث وجدوا انفسهم في مواجهة مباشرة مع النار دون سابق انذار.

واكد ان انس الشريف تحول الى ايقونة نضالية ومصدر الهام للصحفيين الشباب، بفضل قدرته الفائقة على التأقلم مع الميدان واصراره على اتمام رسالته الاعلامية رغم استهداف منزله واستشهاد والده.

واضاف ان حملات التشويه التي تعرض لها الشهداء كانت تهدف الى نزع صفتهم الصحفية لتبرير استهدافهم، وهو ما يراه ابو هين محاولة فاشلة لاخفاء الحقيقة التي وثقوها بدمائهم.

حين تغيب العدالة

واوضح اشرف المشهراوي رئيس لجنة حماية الصحفيين ان استشهاد 262 صحفيا في غزة يضع المجتمع الدولي امام اختبار حقيقي للعدالة التي لا تزال غائبة عن ملاحقة الجناة.

وشدد على ان المطلوب اليوم هو تحويل ملفات هؤلاء الشهداء الى قضايا قانونية دولية، بدلا من الاكتفاء باصدار بيانات الادانة التي لم تمنع استمرار جرائم الاحتلال.

واضاف المشهراوي ان العدالة الحقيقية تبدأ بتحديد المسؤولين عن قرارات القتل ومحاسبتهم، حتى لا يصبح الافلات من العقاب ضوءا اخضر لارتكاب مزيد من الجرائم بحق الصحفيين الذين ينقلون الحقيقة.