أثارت الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي إلى القدس مؤخرا تساؤلات واسعة حول أهداف التحركات الإسرائيلية المتسارعة داخل العمق الأفريقي. وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى تعزيز نفوذها عبر بوابة التعاون الأمني والتقني مع دول القارة السمراء، وهو ما يثير قلقا إقليميا متزايدا من تداعيات هذا الحضور على التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.

وغادر الرئيس الكونغولي إسرائيل بعد جولة مباحثات مكثفة شملت لقاءات مع قيادات سياسية رفيعة المستوى، حيث تركز النقاش حول تعزيز شراكات في قطاعات الزراعة والطاقة والبنية التحتية المتطورة. وأكدت التقارير الواردة أن هذه الزيارة تأتي في سياق تعميق العلاقات الثنائية التي شهدت وتيرة متصاعدة خلال السنوات الأخيرة، مع حرص الطرفين على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لمعالجة الأزمات الإقليمية المشتركة.

وكشفت مراسلات رسمية أن المباحثات لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل امتدت لتشمل ملفات الأمن والدفاع، حيث يسعى الجانب الكونغولي للاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في تطوير قدرات أجهزته الأمنية. وأظهرت هذه التحركات رغبة إسرائيلية واضحة في تنويع شراكاتها الخارجية وتأمين موطئ قدم استراتيجي في دول حوض النيل والمناطق الحيوية في أفريقيا.

أبعاد المصالح المتبادلة

وبين خبراء في الشؤون الأفريقية أن هذه العلاقة قائمة على مبدأ تبادل المصالح، حيث تبحث الكونغو عن دعم عسكري لمواجهة التحديات الداخلية، بينما تطمح إسرائيل للوصول إلى موارد طبيعية ومعادن نفيسة تدخل في الصناعات الاستراتيجية. وأشار المحللون إلى أن تل أبيب تسعى عبر هذه الشراكات إلى التغطية على عزلتها الدولية وتأمين مصادر حيوية لتصنيع التقنيات المتقدمة والطائرات المسيرة.

وأضاف المراقبون أن السياسة الإسرائيلية في أفريقيا لا تسير على وتيرة واحدة، بل تعتمد على استراتيجية انتقائية تختلف أدواتها من دولة لأخرى وفقا للاحتياجات الجيوسياسية. وشدد الباحثون على أن الملف الأمني أصبح هو المحرك الرئيسي لهذا التقارب، خاصة في ظل حاجة بعض الدول الأفريقية لتقنيات المراقبة والاستخبارات التي تروج لها الشركات الإسرائيلية.

وأكد تقرير تحليلي أن إسرائيل تسعى لإنشاء شبكة واسعة من الشراكات التي تخدم أهدافها في تأمين الملاحة البحرية، لا سيما بعد خطواتها المثيرة للجدل في الاعتراف بكيانات انفصالية مثل أرض الصومال. وأوضح التقرير أن هذه التحركات تهدف بشكل مباشر إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي في مناطق حساسة استراتيجيا تطل على مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

تداعيات التوسع الإسرائيلي

وأظهرت التطورات الأخيرة أن هناك رفضاً عربياً وإقليمياً واسعاً لمحاولات إسرائيل تثبيت أقدامها في مناطق ذات أهمية أمنية قصوى، حيث حذرت دول مثل مصر والصومال وتركيا من التداعيات السلبية لهذه السياسات على استقرار المنطقة. ويوضح الخبراء أن هذا التمدد قد يفتح الباب أمام ترتيبات استخباراتية جديدة تزيد من حدة التنافس الإقليمي وتؤثر على الأمن القومي العربي.

وأوضح المحللون أن إسرائيل استطاعت إعادة تفعيل علاقاتها مع دول متعددة مثل رواندا وتشاد وأوغندا وجنوب السودان، مستغلة في ذلك حاجتها للدعم التكنولوجي واللوجستي. وشدد هؤلاء على أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالدبلوماسية التقليدية، بل انتقلت إلى مرحلة الشراكة العميقة التي ترتبط بقطاعات الموانئ والدفاع والموارد الطبيعية.

وختم المراقبون بالإشارة إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية في أفريقيا باتت تشكل تحدياً جديداً يتطلب رؤية عربية متكاملة للتعامل معها، خاصة وأن تل أبيب تستغل كل فرصة لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية على حساب القوى الإقليمية التقليدية في القارة.