يواجه قطاع غزة ازمة خانقة تتعلق بتوفر اطارات السيارات التي باتت تمثل عصب الحياة اليومية في ظل صعوبة التنقل، حيث توقف دخول اي اطارات جديدة الى القطاع منذ ثلاثة اعوام كاملة، مما دفع السائقين واصحاب المركبات الى ابتكار حلول غير مسبوقة للحفاظ على استمرارية حركة مركباتهم رغم المخاطر الجسيمة التي تترتب على استخدام اطارات متهالكة.

واظهرت جولات ميدانية في ورش الصيانة ان العاملين هناك يستخدمون مواد بدائية وغير مالوفة لترقيع الثقوب واصلاح التشققات العميقة، ومنها خليط الطحين والماء او مواد لاصقة بديلة، في محاولة يائسة لاطالة عمر الاطار لاطول فترة ممكنة، وهو ما يعكس حالة العجز التام عن توفير مستلزمات الصيانة الاساسية في ظل استمرار القيود المفروضة على المعابر.

واكد اصحاب المركبات ان هذه الممارسات لا تعبر عن رفاهية او صيانة دورية، بل هي ضرورة قصوى يفرضها الواقع القاسي، حيث اصبح الحصول على اطار جديد حلما بعيد المنال في ظل ارتفاع الاسعار الخيالي ان توفرت، مما جعل من رقعة البنشر الواحدة تكلف مبالغ طائلة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.

طرق ترقيع مبتكرة في ظل الحصار

وبين الفنيون العاملون في ورش تصليح الاطارات انهم يضطرون الى اعادة ترقيع الاطار الواحد مرات متكررة، وهو ما يفقده مواصفات الامان الفنية ويجعله عرضة للانفجار المفاجئ في اي لحظة، موضحين انهم يستخدمون رقع المطاط المتآكل ومواد كيميائية بديلة لسد الشقوق التي تتسع يوما بعد يوم بسبب سوء حالة الطرق وتضرر البنية التحتية جراء الحرب.

واضاف الخبراء ان تكلفة اصلاح الاطار الواحد قفزت بشكل جنوني نتيجة ندرة المواد الخام، حيث وصل سعر لحام الكاوتشوك الى ارقام قياسية، مما يضيف عبئا ماليا ثقيلا على كاهل السائقين الذين يكافحون اصلا لتوفير ثمن الوقود والزيوت اللازمة لضمان عدم توقف مركباتهم عن الخدمة بشكل نهائي.

واشار السائقون الى ان المخاطر تزداد مع كل كيلومتر يقطعونه، خاصة عند تحميل الركاب او نقل البضائع، حيث تفتقر الاطارات المعالجة الى التماسك المطلوب، مما يهدد بوقوع حوادث سير كارثية في ظل غياب اي بدائل حقيقية او امكانية لاستيراد قطع غيار جديدة تحمي ارواح المواطنين.

شلل في حركة النقل وتداعيات اقتصادية

وكشفت بيانات ميدانية ان اكثر من سبعين بالمئة من المركبات في غزة باتت خارج الخدمة فعليا، اما بسبب التلف التام للاطارات او لعدم توفر قطع الغيار الاخرى، مما ادى الى شلل شبه كامل في حركة نقل البضائع والمساعدات الانسانية، وهو ما انعكس سلبا على اسعار السلع الاساسية التي ارتفعت بشكل غير مسبوق نتيجة صعوبة النقل.

واوضحت تحليلات اقتصادية ان استخدام الطحين، وهو مادة غذائية استراتيجية، في عمليات اصلاح الاطارات يحمل دلالة انسانية قاسية، اذ يشير الى مدى تضاؤل الخيارات المتاحة امام السكان الذين باتوا يضحون بقوت يومهم من اجل الحفاظ على ادوات تنقلهم، وهو ما يفاقم الازمة المعيشية ويزيد من معدلات الفقر والبطالة بين العاملين في قطاع النقل.

وشدد خبراء الاقتصاد على ان الحل الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم يكمن في تدخل دولي عاجل لرفع القيود عن المعابر والسماح بدخول مستلزمات المركبات، مؤكدين ان استعادة حركة النقل ليست مجرد رفاهية بل هي ركيزة اساسية لاعادة احياء النشاط الاقتصادي وتسهيل وصول الخدمات والمساعدات للسكان الذين يعانون من ظروف استثنائية.