في مشهد يعكس قسوة الواقع المعيشي في الضفة الغربية المحتلة، اضطرت عائلة الراعي الفلسطيني محمد اعمر الى اتخاذ كهف صخري مسكنا بديلا لها بعد ان قامت اليات الاحتلال بهدم منزلها بشكل كامل. كشفت هذه الحادثة عن حجم المعاناة التي يواجهها سكان منطقة مسافر يطا، حيث تحولت الحياة اليومية الى صراع مستمر من اجل البقاء تحت الارض بدلا من العيش في منازل طبيعية. واوضح اعمر البالغ من العمر 33 عاما انه قام بتهيئة الكهف عبر تسوية ارضيته وطلائه بالجير، ليصبح صالحا للسكن بعد ان فقد كل ما يملك فوق الارض.
واضافت الزوجة فاطمة ان العائلة تحاول التكيف مع الظروف الصعبة داخل هذا المسكن البدائي الذي يفتقر لابسط مقومات الراحة، مشيرة الى انهم يعتمدون على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء وعلى مياه الابار. وبينت ان الانتقال الى الكهف كان الخيار الوحيد المتاح امامهم لتجنب التشرد، حيث يرفض الاحتلال منح تصاريح بناء للسكان الفلسطينيين في تلك المناطق المصنفة خاضعة للسيطرة الاسرائيلية.
واكد محمد اعمر ان الحياة داخل الكهف تشبه العيش في قبر، حيث يفتقد الاطفال الى المساحات المفتوحة والضوء الطبيعي الذي اعتادوا عليه قبل هدم منازلهم. واشار الى ان اطفاله الاحدى عشر يحاولون ممارسة حياتهم بابتكار العاب بسيطة امام مدخل الكهف، بينما تبقى اعينهم معلقة بالامل في العودة الى منزل حقيقي فوق الارض بعيدا عن ملاحقات الهدم المستمرة.
واقع مرير وتحديات يومية في مسافر يطا
وبينت التقارير الميدانية ان منطقة مسافر يطا تشهد تصاعدا ملحوظا في وتيرة هدم المنازل، وسط توترات متزايدة مع المستوطنين الذين ينتشرون في المرتفعات المجاورة. واوضحت المعطيات ان العائلة تعيش تحت تهديد دائم، حيث لا تبعد المستوطنة القريبة سوى مئات الامتار، مما يضعهم في حالة استنفار دائم لحماية ما تبقى من ماشيتهم وممتلكاتهم.
واضافت العائلة ان الجيران والاقارب يلعبون دورا محوريا في التكافل الاجتماعي، حيث يسارع الجميع لتقديم المساعدة عند وقوع اي عملية هدم جديدة. واكد اعمر ان هذا التضامن هو الركيزة الاساسية التي تمنع انهيار المجتمع المحلي امام سياسات التهجير الممنهجة التي تتبعها سلطات الاحتلال في المنطقة.
واظهرت المشاهد اليومية كيف تحاول فاطمة وزوجات اعمر تامين الغذاء والاحتياجات الاساسية داخل الكهف، في تحد واضح للظروف البيئية القاسية. واوضحت انهم يرفضون ترك ارضهم مهما بلغت الضغوط، مؤكدة ان الصمود في الكهف هو شكل من اشكال المقاومة للحفاظ على الوجود الفلسطيني في هذه البقعة الجغرافية التاريخية.
سياسات الهدم ومستقبل غير معلوم
وذكرت مصادر محلية ان حجج الاحتلال لهدم المنازل تتنوع بين عدم الترخيص او القرب من مناطق عسكرية، وهي ذرائع يراها السكان الفلسطينيون غير قانونية ومجحفة. واكدت ان اكثر من 1100 نسمة يعيشون في مسافر يطا يواجهون المصير ذاته، حيث يتم رفض طلبات البناء بشكل منهجي بينما تتوسع المستوطنات المجاورة بشكل غير مسبوق.
واضاف اعمر ان العالم يتقدم نحو التطور والازدهار، بينما تشهد حياتهم في فلسطين تراجعا قسريا نحو العصور القديمة بسبب سياسات الاحتلال. وبين ان الامل لا يزال قائما في ان ينظر المجتمع الدولي بجدية الى معاناتهم، وان يتوقف نزيف الهدم الذي يطال منازل المواطنين العزل ويحيل حياتهم الى جحيم يومي.
وكشفت الاحصائيات الاخيرة ان الحكومة الحالية اقرت عددا قياسيا من المشاريع الاستيطانية الجديدة، مما يفاقم من معاناة العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية. واكدت ان استمرار هذه الاعتداءات يقلص فرص العيش الكريم، ويدفع المزيد من العائلات الى البحث عن ملاذات اضطرارية في الكهوف والمغارات هربا من البطش والتهجير.
