يختبر الكثير منا شعورا مفاجئا بالنفور تجاه شخص ما عند مقابلته للمرة الاولى رغم عدم وجود اي احتكاك مسبق او موقف سلبي يبرر هذا الشعور. يطرح هذا الموقف تساؤلات حول ما اذا كانت حدسنا يلتقط اشارات غير مرئية في ملامح الشخص وطريقة حديثه ام اننا نقع في فخ الاحكام المتسرعة التي تبنيها عقولنا بناء على تجارب سابقة او انطباعات سطحية. يرى الخبراء ان هذا النفور غالبا ما يكون رد فعل لا ارادي يعكس محاولة الدماغ لتقييم المخاطر المحتملة بناء على قواعد بيانات قديمة مخزنة في الذاكرة.
واوضح الباحثون ان العقل البشري يميل دائما الى البحث عن انماط مألوفة في وجوه الغرباء لتقييم مدى الثقة بهم. واظهرت الدراسات اننا قد نرفض شخصا ما لا لشيء سوى انه يذكرنا بشكل غير واعي بشخص اخر تسبب لنا في اذى سابق او تجربة غير موفقة. ويبين علم النفس ان هذه العملية تحدث بسرعة فائقة قبل ان نتمكن من ادراك الرابط الذهني بين الشخص الجديد والذكريات القديمة المخزنة في عقولنا.
واضافت الدراسات ان الذاكرة العاطفية تلعب دورا محوريا في تشكيل الانطباعات الاولى. وكشفت التجارب التي اجريت في جامعات عالمية ان البشر يصبحون اقل ميلا للثقة في الاشخاص الذين تتشابه ملامحهم مع اشخاص خذلوهم في مواقف سابقة. واكد الباحثون ان هذا الشعور بالنفور يظل غامضا وغير مبرر لصاحبه لانه ينبع من معالجة عصبية سريعة تحدث بعيدا عن الادراك الواعي للصلة بين الشخص الجديد والماضي.
تاثير الملامح ونبرة الصوت على الانطباع الاول
وبين المختصون ان قراءة تعبيرات الوجه لا تتم دائما بدقة كما نعتقد. واوضحوا ان بعض الملامح مثل انخفاض الحاجبين قد تعطي ايحاء بالغضب او العدائية رغم ان الشخص قد يكون في حالة طبيعية او يعاني من الارهاق فقط. واكدت النتائج اننا غالبا ما نخلط بين التكوين الجسدي للوجه وبين السمات الشخصية للفرد مما يدفعنا لاطلاق احكام خاطئة استنادا الى شكل الملامح وليس الى جوهر الشخصية.
واضاف الخبراء ان العوامل الظرفية مثل قلة النوم او ضغوط العمل قد تؤثر بشكل كبير على المظهر الخارجي للشخص في لقائه الاول. وبينت الدراسات اننا نميل الى اعتبار هذه الانعكاسات الظرفية سمات ثابتة في شخصية الغريب. واكدت ان هذا الخطأ في التقييم ينبع من عدم قدرتنا على فصل الظروف الطارئة عن الطبيعة الدائمة للفرد الذي نقابله للمرة الاولى.
واظهرت الابحاث ان نبرة الصوت تلعب دورا لا يقل اهمية عن ملامح الوجه في تكوين الانطباع الاول. وكشفت التجارب ان المستمعين يميلون الى تكوين احكام متشابهة حول ودية الشخص وجدارته بالثقة بمجرد سماع كلمة واحدة مثل مرحبا. واكد الباحثون ان هذه الاحكام تظل انطباعات اولية قد لا تعكس الحقيقة ولكنها تساهم في توجيه شعورنا بالقبول او النفور من الاخرين.
هل يمكن الاعتماد على الحدس في الحكم على الناس؟
وبينت الدراسات الحديثة ان ثقتنا في قدرتنا على فهم الناس من النظرة الاولى ليست دليلا على دقة احكامنا. واوضحت ان الاحكام التي نشعر تجاهها بثقة كبيرة ليست بالضرورة اكثر صحة من غيرها. واكدت ان الانطباعات الاولى غالبا ما تكون عرضة للخطأ ولا تعكس بالضرورة الشخصية الحقيقية للفرد الذي امامنا.
واضاف الباحثون ان افضل استراتيجية للتعامل مع هذا الشعور هي الحفاظ على مسافة مريحة دون التسرع في اطلاق احكام سلبية. وبينوا ان منح الشخص فرصة اخرى قد يكشف عن جوانب تخالف تماما انطباعنا الاولي. واكدوا ان الانسجام مع الجميع ليس واجبا وان عدم الشعور بالراحة تجاه شخص ما لا يعني بالضرورة وجود عيب في هذا الشخص.
وختم الخبراء بان الوعي بطبيعة هذه الاحكام المتسرعة يساعدنا في ان نكون اكثر موضوعية في علاقاتنا الاجتماعية. واضافوا ان ترك مجال للتغيير في انطباعاتنا يفتح الباب امام علاقات قد تكون مفيدة ومثمرة مستقبلا. وبينوا ان الشخصية الانسانية اعمق من ان يتم تقييمها من خلال لقاء واحد او ملمح جسدي عابر.
