تشير تقديرات اقتصادية حديثة الى ان موجة التضخم المرتفعة لن تنحسر قريبا في الاقتصاد العالمي، حيث يرى مئات الخبراء ان الضغوط السعرية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة مرشحة للاستمرار لفترة اطول، ويأتي هذا في وقت يراهن فيه العالم على طفرة الذكاء الاصطناعي كمحرك اساسي لتعزيز النمو الاقتصادي، مما يخلق حالة من التباين بين التفاؤل بالنمو والقلق من غلاء الاسعار.
واظهر مسح ميداني شمل اكثر من 500 خبير اقتصادي حول العالم، ان التوقعات الخاصة بمعدلات التضخم قد تم تعديلها نحو الارتفاع في معظم الاقتصادات الكبرى، وبينت النتائج ان 31 اقتصادا من اصل 50 شهدت رفعا في مؤشرات التضخم المستقبلي، بينما اشارت البيانات الى تحسن طفيف في توقعات النمو في 23 دولة اخرى.
واكد محللون ان هذه التوقعات تاتي تحت وطأة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الاوسط، والتي ادت الى قفزة كبيرة في اسعار النفط تجاوزت حدود المئة دولار للبرميل، واضاف الخبراء ان هذا الصعود في كلفة الطاقة بات يشكل ضغطا مباشرا على سلاسل الامداد وتكاليف الانتاج، وهو ما يهدد بابقاء معدلات التضخم عند مستويات مقلقة لفترة زمنية اطول مما كان متوقعا.
ضغوط تضخمية عابرة للحدود
وكشفت البيانات ان الاقتصادات المتقدمة ليست بمنأى عن هذه التحديات، حيث رفع الخبراء توقعاتهم للتضخم في 15 دولة متقدمة من اصل 21، واوضح التقرير ان بريطانيا ومنطقة اليورو والولايات المتحدة سجلت زيادات ملحوظة في متوسط توقعات التضخم خلال الفصول الاخيرة، مما يعكس حالة من عدم اليقين بشان قدرة البنوك المركزية على السيطرة على الاسعار.
واضافت جانيت هنري، كبيرة الاقتصاديين في بنك اتش اس بي سي، ان مخاوفها بشان التضخم تتزايد مجددا، وشددت على ان التصعيد الجاري في المنطقة يرفع احتمالات بقاء التضخم مرتفعا لفترة اطول، وبينت ان اتساع الضغوط السعرية في قطاعات مختلفة يمثل تحديا حقيقيا لصناع السياسات النقدية حول العالم.
واوضحت المعطيات ان التضخم لم يعد يقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل بدا ينتقل الى السلع والخدمات الاخرى، مما يزيد من معاناة الاسر ويضعف القوة الشرائية في العديد من الدول، وهو ما يجعل من مهمة كبح جماح الاسعار امرا بالغ الصعوبة في ظل الظروف الراهنة.
الذكاء الاصطناعي كطوق نجاة
واظهرت نتائج المسح تحسنا في توقعات النمو العالمي بفضل الاستثمارات الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي باتت تتجاوز تريليون دولار، واكد الاقتصاديون ان هذا الانفاق الراسمالي يمثل محركا اساسيا للنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة ودول اخرى، مما دفعهم لرفع توقعات النمو العالمي للعام الجاري الى 3 بالمئة.
واضاف سيث كاربنتر، كبير الاقتصاديين في مورغان ستانلي، ان النشاط الاقتصادي لا يزال متماسكا رغم ارتفاع تكاليف الطاقة، وبين ان دورة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تعمل كعامل موازن يمنع حدوث انكماش اقتصادي حاد، موضحا ان التحدي يكمن في مدى قدرة هذه الاستثمارات على تعويض الاثار السلبية لغلاء الاسعار.
واشار التقرير الى ان التوقعات تشير الى نمو الاقتصاد الامريكي بنسبة 2.3 بالمئة هذا العام، واكد ان هذا النمو يظل مدعوما بالانفاق التقني، رغم ان التقديرات العامة لا تزال اقل من مستهدفات صندوق النقد الدولي، مما يترك الباب مفتوحا امام سيناريوهات اقتصادية متقلبة في المستقبل.
تحديات البنوك المركزية
وتواجه البنوك المركزية معضلة حقيقية في موازنة السياسات النقدية، اذ قد تجد نفسها مضطرة لرفع اسعار الفائدة مجددا اذا ما استمرت الضغوط التضخمية، واوضح الخبراء ان موجة بيع السندات العالمية ادت بالفعل الى ارتفاع عوائدها، مما زاد من تكاليف الاقتراض وشدد الاوضاع المالية بشكل غير متوقع.
واضاف المحللون ان المشهد الاقتصادي قد تحول من مخاوف الركود التضخمي الى توقعات بنمو اقوى مصحوب بتضخم عنيد، وشددوا على ان تكاليف المعيشة المرتفعة ستظل تضغط على ميزانيات الاسر لفترة قادمة، وبينوا ان استمرار ارتفاع اسعار الطاقة سيظل المتغير الاهم الذي يتحكم في مسار التضخم العالمي خلال الفترة المقبلة.
واكدت التقارير ان استقرار الاوضاع المالية العالمية يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة البنوك المركزية على اتخاذ قرارات متوازنة، وسط بيئة مليئة بالمخاطر الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية المتداخلة، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الاسعار على المدى المتوسط والبعيد.
