بقلم المحامية هنزاد التل،،،
شيكاغو / إلينوي / الولايات المتحدة الأميركية،،،
في الثالث من نوفمبر 2026، تتجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى صناديق الاقتراع في انتخابات نصفية قد لا يتوقف تأثيرها عند تغيير موازين القوى داخل الكونغرس، بل قد ترسم ملامح المرحلة السياسية القادمة وتحدد طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
أتابع هذا المشهد من داخل الولايات المتحدة، وتحديداً من مدينة شيكاغو، حيث تتجلى أمامي صورة مجتمع متنوع في خلفياته وتوجهاته ومواقفه السياسية. وفي النقاشات اليومية، كما في متابعة الشأن العام، أجد أن الانتخابات ليست مجرد منافسة بين حزبين، بل مناسبة تتجدد فيها الأسئلة حول الاقتصاد والهجرة والحريات ومستقبل المؤسسات الأمريكية.
ومن يعيش في مدينة مثل شيكاغو يدرك أن القضايا السياسية لا تبقى مجرد عناوين في نشرات الأخبار؛ فهي ترتبط بحياة الناس وأعمالهم وأسرهم، وبالشعور بالأمان والاستقرار، وبمدى قدرتهم على مواجهة تكاليف الحياة. كما أن تنوع المجتمع هنا يتيح رؤية اختلاف حقيقي في وجهات النظر، حتى بين أشخاص يعيشون في المدينة نفسها ويتشاركون الظروف ذاتها.
هذه الانتخابات ليست انتخابات رئاسية، فالرئيس لن يتغير من خلالها، لكنها انتخابات بالغة الأهمية؛ إذ سيختار الأمريكيون جميع أعضاء مجلس النواب، وجزءاً من أعضاء مجلس الشيوخ، إلى جانب حكام وممثلين في عدد من الولايات. والنتيجة قد تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيواصل السيطرة على الكونغرس، أم أن الناخب الأمريكي سيختار تغيير المعادلة السياسية ومنح الديمقراطيين فرصة أكبر لمراقبة أداء الإدارة الحالية.
ماذا يشغل المواطن الأمريكي اليوم؟
لا يمكن تجاهل القضايا التي أصبحت حاضرة في حياة الأمريكيين اليومية؛ ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار السكن والغذاء والوقود، والرعاية الصحية، وسياسات الهجرة، فضلاً عن السياسة الخارجية وتداعياتها. فالمواطن لا يعيش على الوعود الانتخابية وحدها، بل يريد أن يعرف ماذا تغير في حياته، وهل أصبحت ظروفه الاقتصادية أفضل أم أكثر صعوبة؟ وهنا تكمن أهمية الانتخابات؛ فالناخب لا يصوت فقط لمن يمثله، بل يملك فرصة لمحاسبة الحزب الحاكم على ما تحقق وما لم يتحقق.
المشهد السياسي ومستقبل إدارة ترامب،،
لا شك أن سياسات الرئيس دونالد ترامب حاضرة بقوة في هذه الانتخابات، وأن نتائجها ستُقرأ باعتبارها مؤشراً على مستوى الرضا الشعبي عن أداء إدارته. لكن لا يجوز اختزال خيارات ملايين الأمريكيين في تأييد شخص أو رفضه؛ فهناك من يصوت انطلاقاً من موقف اقتصادي، وهناك من تحركه قضية الهجرة، وهناك من يرى أن الأولوية هي حماية الحريات والمؤسسات الدستورية. وهذا التنوع في المواقف جزء من طبيعة المجتمع الديمقراطي.
من منظور قانوني، هناك ما هو أهم من نتيجة الانتخابات.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ديمقراطية هو أن تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، وأن يصبح الانتماء الحزبي أقوى من احترام الدستور، أو أن يُنظر إلى المؤسسات الرقابية باعتبارها عقبة أمام الحاكم بدلاً من كونها ضمانة للدولة والمجتمع. فالرئيس، مهما كانت شعبيته، ليس فوق القانون، والأغلبية الانتخابية لا تمنح أصحابها الحق في تجاوز الحقوق الدستورية أو إضعاف استقلال المؤسسات.
إن الديمقراطية الحقيقية لا تُختبر عندما يفوز من نؤيده، بل عندما نقبل نتائج الصندوق، ونحترم حق المعارضة، ونحمي حقوق من لم يصوتوا للحزب الفائز.
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: هل ستمنح نتائج الثالث من نوفمبر إدارة ترامب مساحة أوسع لمواصلة سياساتها، أم ستفرض مرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة والتوازن السياسي؟
لا أكتب هذا المقال تأييداً لترامب ولا خصومة معه، ولا دفاعاً عن حزب على حساب آخر. أكتبه من زاوية قانونية وحقوقية، ومن موقع المتابعة من داخل المجتمع الأمريكي، مؤمنة بأن الأشخاص يتغيرون، والإدارات تتعاقب، لكن الدستور والمؤسسات وسيادة القانون يجب أن تبقى.
فأمريكا ليست رئيساً، وليست حزباً، وليست أغلبية انتخابية فقط؛ إنها دولة تقوم على مؤسسات وحقوق وحريات وتوازن في السلطات.
وفي النهاية، قد يربح حزب الانتخابات، لكن الرهان الأكبر هو أن تربح الديمقراطية.
فصندوق الاقتراع يمنح السلطة، والدستور يضع حدودها، والقانون يحمي الجميع. وهذه ليست قضية أمريكية فحسب، بل درس يستحق أن تتأمله كل المجتمعات التي تؤمن بأن سيادة القانون هي أساس الدولة العادلة.
