لا تزال صور الطفلين محمد الدرة وفارس عودة تتردد في اذهان الفلسطينيين كايقونة حية لانتفاضة الاقصى التي اندلعت شرارتها حين اقتحم ارييل شارون باحات المسجد الاقصى المبارك. ورغم مرور سنوات طويلة على تلك الاحداث التي غيرت وجه الصراع. فان من عايشوا تلك الحقبة لا يزالون يستحضرون تفاصيل دقيقة عن المواجهات الشعبية والتحولات السياسية التي تلت ذلك التاريخ الفاصل في حياة الفلسطينيين.
وكشفت شهادات حية عن ان ذاكرة الجيل الذي شهد انطلاقة الانتفاضة لا تقتصر على الاحداث الميدانية فحسب. بل تمتد لتشمل استذكار شخصيات قيادية ورموز فصائلية تركت بصماتها في المشهد الفلسطيني. واظهرت تلك الشهادات كيف امتزجت الحياة اليومية بالعمل المقاوم في ظل ظروف معقدة فرضها الاحتلال الاسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة.
واكد شهود عيان ان الانتفاضة لم تكن مجرد هبة عابرة. بل كانت مرحلة مفصلية شهدت تداخلا بين العمل الطلابي والنشاط الشعبي والمواجهة المسلحة. وبينوا ان تلك الفترة صنعت جيلا من الفلسطينيين الذين تشكلت وعيهم الوطني وسط رصاص الاحتلال وقذائف دباباته التي لم تتوقف عن استهداف المدنيين.
من اروقة الجامعات الى ساحات المواجهة
وبين وسام زغبر وهو احد الذين عايشوا تلك المرحلة انه كان في بداية حياته الجامعية حين اندلعت الانتفاضة. واوضح ان الدراسة تداخلت مع الاحداث الميدانية حيث تحولت المظاهرات الطلابية الى نقاط اشتباك رئيسية مع قوات الاحتلال خاصة في المناطق الحدودية جنوب مدينة غزة.
واضاف زغبر ان فقدان الزملاء والرفاق في قاعات المحاضرات كان جزءا من الواقع اليومي المرير. واشار الى ان الطلاب كانوا يواجهون تحدي الموازنة بين مواصلة التعليم كشكل من اشكال الصمود وبين المشاركة في تشييع الشهداء والتواجد في ميادين المواجهة التي فرضتها الاقتحامات المتكررة.
وشدد على ان المسار الذي بدأ في عام 2000 يختلف في طبيعته عن الحروب الحالية. وبين ان الانتفاضة كانت تتسم بالاحتجاجات الشعبية المرتبطة بتعثر مسارات التسوية. بينما انتقلت الاوضاع لاحقا الى سلسلة من الحروب والاجتياحات التي خلفت واقعا انسانيا وسياسيا غاية في التعقيد.
تحولات المشهد السياسي والميداني
واوضح منذر الحايك ان عام 2000 مثل محطة تنظيمية فارقة في تاريخ حركة فتح. واشار الى ان الحراك الجماهيري في بدايات الانتفاضة كان ينظر اليه كوسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض مع الجانب الاسرائيلي في ظل انسداد الافق السياسي.
واضاف الحايك ان دخول فصائل اخرى على خط المواجهة وعسكرة الاحداث اديا الى تغيير طبيعة الصراع بشكل جذري. وبين ان ذلك سمح للاحتلال بمضاعفة اجراءاته العسكرية التي اثرت بشكل مباشر على الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية.
وتابع مبينا الفرق الجوهري بين تلك المرحلة والواقع الحالي. واكد ان الانتفاضة الثانية رغم قسوتها كانت تسمح بنوع من الحياة اليومية. اما في ظل الحرب الحالية فان الدمار الشامل وانهيار القطاع الصحي ونقص الاحتياجات الاساسية جعلت المأساة الفلسطينية تتخذ ابعادا غير مسبوقة.
رموز حفرت في الذاكرة الجمعية
وكشف المحلل السياسي وسام عفيفة ان الانتفاضة غيرت رؤية الفلسطينيين للصراع بشكل كامل. واوضح انه عايش انتفاضة الحجارة ثم سنوات اوسلو. لكن الانتفاضة الثانية كانت المواجهة العسكرية الاوسع والاكثر حدة التي شهدها في حياته.
واضاف ان الدبابات وطائرات الاباتشي اصبحت جزءا من التفاصيل اليومية المزعجة. وبين ان قصف مقار السلطة الفلسطينية كان يحمل دلالات رمزية قوية على فشل مشروع التسوية وتحول المباني التي بنيت في بداية الحكم الذاتي الى اهداف مباشرة لالة الحرب.
واشار الى ان رموز الانتفاضة توزعت بين قيادات سياسية وعسكرية استشهد معظمها مثل الشيخ احمد ياسين وياسر عرفات وابو علي مصطفى. واكد ان الاسماء التي ارتبطت بالانتفاضة لم تكن فقط للقادة. بل شملت اطفالا مثل فارس عودة ومحمد الدرة الذين اصبحوا رموزا عالمية للعدالة والحق الفلسطيني.
