يجد سكان غزة انفسهم في مواجهة واقع اقتصادي مرير فرضته الحرب المستمرة حيث تحولت مدخرات العمر من الذهب والفضة من زينة وادخار الى وسيلة وحيدة لتامين لقمة العيش. كشف تجار الذهب في القطاع عن مشاهد انسانية قاسية حيث يضطر الاباء لبيع مصاغ بناتهم او زوجاتهم لتوفير ثمن الطحين او تكاليف العلاج والنزوح. واظهرت الشهادات ان قيمة الذهب لم تعد تقاس بجماليتها بل بقدرتها على شراء البقاء في ظل حصار خانق يمنع دخول الخامات الجديدة الى السوق.

واضاف تجار محليون ان الحرب لم تكتف بتدمير المتاجر والمصانع بل اجبرت الجميع على التكيف مع ندرة الموارد. واكد اصحاب ورش الصياغة انهم باتوا يعتمدون بشكل كلي على اعادة تدوير الذهب والفضة الموجودة لدى المواطنين لتلبية الطلب المحدود. واشاروا الى ان هذه العملية تمر بمراحل معقدة تبدا من الشراء ثم الصهر واعادة التشكيل والدمغ مجددا لضمان مطابقتها للمواصفات المطلوبة.

وبين التاجر احمد الشبراوي ان ظروف الحرب دفعت العائلات للتخلي عن قطع عزيزة كانت تشكل يوما ما جزءا من تقاليد الزواج والمناسبات السعيدة. واوضح ان سعر الغرام الواحد يخضع لتقلبات حادة في ظل غياب الرقابة التقليدية وتوقف التوريد الخارجي. واكد ان الكثير من المصاغ الذي يتم تداوله اليوم هو نتاج عمليات صهر متكررة لقطع قديمة فقدت ملامحها الاصلية نتيجة التخزين تحت الانقاض او النزوح المتكرر.

واقع صناعة الذهب في ظل الحصار

وكشف محمد حبوب رئيس نقابة تجار الذهب ان مديرية دمغ المعادن تواصل عملها رغم التحديات الكبيرة. واكد ان الارقام الشهرية للدمغ تعكس حركة تدوير للمعدن داخل القطاع وليس اضافة اي خامات جديدة. واوضح ان المصاغ الغزي لا يزال يحتفظ بنقاوته العالية وفق المعايير المعتمدة دوليا رغم الصعوبات التقنية التي تواجه الورش في الوصول الى الادوات والمواد الكيميائية الاساسية مثل حمض النيتريك وقوالب الجبس.

واضاف ان عدد الورش العاملة انخفض بشكل كبير نتيجة تدمير البنية التحتية وغياب الكهرباء. واشار الى ان الصاغة اضطروا للعودة الى العمل اليدوي البدائي الذي يتطلب جهدا ووقتا اطول مقارنة بالماكينات الحديثة التي كانت تستخدم قبل الحرب. وشدد على ان هذه الحرفة صامدة رغم فقدان جزء كبير من المخزون الذي طمر تحت انقاض المباني المدمرة او خرج مع المسافرين خارج القطاع.

واظهرت المتابعات ان الفجوة بين السعر المحلي للذهب والسعر العالمي قد اتسعت بشكل ملحوظ نتيجة الشح الكبير في المعروض. واكد الصاغة انهم يواجهون صعوبة في توفير مستلزمات الانتاج الاساسية مما يرفع من تكلفة المصنعية بشكل كبير. واشاروا الى ان السوق اصبحت تعتمد كليا على العرض من قبل المواطنين الذين يبيعون ما لديهم للحصول على السيولة النقدية الضرورية للعيش.

الفضة والاعمال اليدوية كبدائل للصمود

وكشف تاجر الفضة يحيى عاشور ان اكثر من 90 بالمئة من المواد التي يستخدمها حاليا هي من مصوغات المواطنين المستعملة. واضاف ان الحرب تسببت بخسائر فادحة لمتاجر الفضة التي فقدت معداتها ومخزونها الخام. واوضح انه اضطر لاستخدام مواد بديلة مثل الستانلس ستيل في بعض المشغولات لتعويض النقص الكبير في الفضة وتلبية احتياجات الزبائن بأسعار مقبولة.

وبين الحرفي سمير غبن الذي يعمل في المهنة منذ عقود ان ورشته الصغيرة في الشارع اصبحت ملاذا لاصلاح ما دمره القصف. واكد انه يبتكر حلولا كيميائية بديلة لتنظيف الذهب وصهره باستخدام لهب الغاز اليدوي. واشار الى ان هذه المهنة التي تعتمد على الخبرة الطويلة تحاول اليوم ترميم ليس فقط المصاغ بل ايضا جزءا من الهوية الاقتصادية التي تحاول الحرب طمسها.

واكد المراقبون ان استمرار هذه الانشطة رغم كل المعوقات يعكس قدرة استثنائية على التكيف مع الازمات. واضافوا ان حركة سوق الذهب والفضة في غزة ستظل مرتبطة بشكل وثيق باحتياجات الناس اليومية. وخلصوا الى ان الذهب في غزة لم يعد مجرد معدن للزينة بل تحول الى عملة صعبة تضمن استمرار الحياة في ظل اصعب الظروف الانسانية.