يشهد المشهد السياسي في ليبيا تحولات لافتة في حضور المرأة التي باتت تقتحم مواقع قيادية وبرلمانية ومجالس بلدية وسط تحديات معقدة فرضتها سنوات من الانقسام. ورغم هذه الاختراقات الا ان الواقع يشير الى فجوة كبيرة بين الثقل الديمغرافي للنساء اللواتي يشكلن نصف المجتمع وبين مشاركتهن الفعلية في مراكز صنع القرار. وتؤكد ناشطات ان الطريق لا يزال طويلا لتجاوز الموروث الاجتماعي والضغوط الامنية التي تعيق مسيرة الطموح النسائي.

واوضحت رئيسة الاتحاد النسائي الليبي العام فتحية البخبخي ان المرأة الليبية اثبتت جدارتها في خوض غمار العمل السياسي والمدني رغم الصعوبات الجسيمة. وبينت ان الظروف الانتقالية التي مرت بها البلاد كانت بمثابة اختبار حقيقي لقوة الارادة النسائية وقدرتها على تحقيق مكاسب ملموسة في النقابات والعمليات الانتخابية. واكدت ان السعي مستمر لتعزيز هذا التمثيل في الاستحقاقات القادمة لضمان صوت نسائي مسموع في البرلمان والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وكشفت بيانات مصلحة التعداد والاحصاء الاخيرة ان النساء يمثلن قرابة نصف سكان ليبيا وهو ما يغذي المطالب بضرورة مراجعة السياسات التمييزية. واظهرت نتائج انتخابات المجالس المحلية تفوقا نسبيا بوصول عدد كبير من النساء الى مقاعد الادارة المحلية مما يعد مؤشرا ايجابيا على تغير النظرة المجتمعية تدريجيا. واضافت البخبخي ان هذا الحضور المتنامي يعكس رغبة صادقة في التغيير رغم كل المعوقات التي تواجه المرشحات في مختلف المناطق.

تحديات الواقع الميداني والضغوط الرقمية

وتشير الناشطة المدنية زينب محمد خميس الى ان التفاوت الجغرافي يلعب دورا كبيرا في رسم ملامح مشاركة المرأة حيث تبدو التحديات في الجنوب الليبي اكثر حدة بسبب الاعتبارات القبلية. واوضحت ان التنمر والضغوط الاجتماعية تمثل عائقا رئيسيا امام الراغبات في الترشح للمناصب القيادية مما يدفع البعض للانسحاب مبكرا. وبينت ان منظمات المجتمع المدني تبذل جهودا حثيثة لتغيير هذه الصورة النمطية التي تحصر دور المرأة في النطاق المنزلي.

وذكر تقرير صادر عن برنامج الامم المتحدة الانمائي ان العنف الالكتروني اصبح سلاحا جديدا يستهدف النساء المنخرطات في العمل العام والانتخابات البلدية. واكدت التقارير الاممية ان الترهيب والمضايقات التي تتعرض لها النساء في المناصب العامة تقوض بشكل مباشر مساعي الاصلاح الديمقراطي. وشددت على ضرورة وجود اصلاحات قانونية صارمة تحمي النساء من حملات التشويه وتضمن لهن بيئة امنة للمنافسة السياسية.

واضافت الخبيرة القانونية جازية شعيتير ان غياب التمثيل النسائي عن طاولات المفاوضات السياسية الكبرى يعد تراجعا عن المكاسب الدستورية والقانونية التي ناضلت من اجلها الليبيات. واكدت ان تجاهل مشاركة النساء في الحوارات الوطنية يخالف القرارات الدولية المتعلقة بتمكين المرأة في مسارات السلام. وبينت ان النخب النسائية لن تقبل بعد الان بالادوار الهامشية وتطالب بحقها الاصيل في تقرير مستقبل الدولة.

مستقبل التمكين النسائي في الدولة الليبية

وكشفت الناشطة الحقوقية انتصار القليب ان الحل يكمن في بناء وعي مجتمعي وقانوني منصف ينهي الممارسات الخاطئة التي تعرقل تقدم النساء. واوضحت ان تمكين المرأة يتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية مع الوعي الشعبي لضمان بيئة تحترم حقوق وكرامة الانسان. وشددت على ان المجتمع الليبي يمتلك مقومات التغيير الايجابي اذا ما توفرت الارادة السياسية الحقيقية.

واضافت ان الطموح النسائي لا يتوقف عند حدود المشاركة البرلمانية بل يمتد ليشمل الوصول الى اعلى المناصب القيادية في الدولة. وبينت ان النساء الليبيات اثبتن قدرتهن على ادارة الازمات بذكاء وحكمة خلال السنوات الماضية. واكدت ان المرحلة القادمة ستشهد مزيدا من الضغط الحقوقي لترجمة التواجد العددي للنساء الى نفوذ سياسي حقيقي يخدم استقرار البلاد.

واظهرت التطورات الاخيرة ان المرأة الليبية باتت رقما صعبا في المعادلة الوطنية لا يمكن تجاوزه في اي تسوية سياسية قادمة. وبينت الممارسات الميدانية ان الارادة النسائية اقوى من الترهيب وان التغيير قادم لا محالة بفضل اصرار الكفاءات النسائية على انتزاع حقوقهن. واكدت ان المستقبل سيشهد توازنا اكثر عدالة بين الجنسين في كافة مفاصل الدولة الليبية.