تحتوي المكتبات والارشيفات العربية على كنز معرفي هائل من المخطوطات والوثائق والصحف القديمة التي نجت من التلف والنسيان. ورغم عمليات التصوير المكثفة التي نقلت هذه المواد من الرفوف الى الشاشات الرقمية. الا ان هذه الذاكرة تظل حبيسة الصور التي لا تفهمها الحواسيب. حيث يرى محرك البحث او نموذج الذكاء الاصطناعي هذه الوثائق كمجرد ملفات مصورة خالية من النصوص التي يمكن تحليلها او فهرستها.

وتكمن الفجوة التقنية في ان الرقمنة التقليدية اكتفت بتحويل الورق الى صور رقمية دون تحويله الى بيانات قابلة للقراءة الالية. وهذا يعني ان كل ما تم ارشفته يحتاج الى مرحلة جديدة من المعالجة التي تتجاوز مجرد التصوير الضوئي. لتصل الى تقنيات متقدمة قادرة على فهم بنية الصفحة والتعامل مع الخطوط العربية المتنوعة واخطاء الطباعة التي قد تعيق عمل الانظمة الذكية.

واكد خبراء ان هذه المرحلة من الرقمنة تمثل تحولا جذريا من مجرد الحفظ الى تحويل الذاكرة الوطنية الى بيانات حية قادرة على التفاعل مع العصر. حيث لم يعد الهدف توثيق الوثائق فحسب. بل جعلها متاحة للبحث والتحليل الالي بما يخدم الباحثين والمؤرخين في استخراج المعلومات بدقة متناهية.

من صورة جامدة الى نص ذكي

وبين المختصون ان الطريق من الصفحة الورقية الى النص الرقمي المفهوم للالة يمر عبر تقنيات التعرف الضوئي على الحروف المعروفة اختصارا بـ OCR. بالاضافة الى تقنيات التعرف على الكتابة اليدوية HTR التي تتعامل مع تعقيدات المخطوطات التاريخية. وتتطلب هذه النظم كميات ضخمة من البيانات لتدريبها على فهم انماط الخطوط العربية المختلفة.

واضاف الباحثون ان مجموعة بيانات سرد التي اطلقها خبراء من جامعة الامير سلطان واكاديمية طويق السعودية تعد خطوة نوعية في هذا المسار. حيث وفرت اكثر من مليوني صفحة عربية اصطناعية تحتوي على مئات الملايين من الكلمات. وتهدف هذه المبادرة الى تدريب انظمة الذكاء الاصطناعي على قراءة صفحات الكتب العربية بدقة تحاكي التخطيطات الاصلية.

واوضح القائمون على المشروع ان الاعتماد على البيانات الاصطناعية يوفر مرجعية صحيحة للنماذج التعليمية ويقلل التكاليف الباهظة للتفريغ اليدوي للوثائق. ومع ذلك. فان التحدي يظل قائما في كيفية اسقاط هذه النماذج على الوثائق الارشيفية الحقيقية التي تحمل عيوبا تاريخية وتلفا طبيعيا لا توفره الصفحات المصممة رقميا.

لماذا تحتاج الالة الى بيانات ضخمة؟

وشدد وديع بوليلة مدير مختبر الروبوتات في جامعة الامير سلطان على ان سد فجوة البيانات هو المفتاح لتطوير تقنيات قراءة الوثائق العربية. واشار الى ان المجموعات السابقة كانت محدودة في تنوعها الطباعي. بينما تسعى المبادرات الحالية الى محاكاة تعقيدات الكتب والمخطوطات بما فيها من كثافة نصوص واختلافات في اشكال الخطوط.

وبين بوليلة ان النجاح في قراءة النص المطبوع لا يعني بالضرورة القدرة على قراءة المخطوطات التي تتطلب خبرة تراثية ولغوية عميقة. واكد ان التعاون مع مراكز الارشيف ضروري لجمع عينات حقيقية وتدريب النماذج على التعامل مع العيوب الواقعية مثل بقع الحبر وتمزق الورق وتداخل الحروف.

وكشف ان الهدف النهائي ليس استخراج النص فقط. بل فهم بنية الصفحة ككل. بما في ذلك ترتيب الاعمدة والعناوين والحواشي. حيث ان فهم السياق هو ما يمنح الذاكرة العربية قيمتها الحقيقية عند تحويلها الى صيغة رقمية قابلة للمعالجة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

تحديات التعامل مع الوثائق القديمة

واوضح حمدي مبارك المهندس في معهد قطر لبحوث الحوسبة ان قراءة الوثائق القديمة تواجه عقبات تقنية معقدة. حيث تؤثر جودة المسح الضوئي واصفرار الورق على دقة النتائج. كما ان غياب التشكيل في النصوص القديمة واختلاف اساليب التهجئة يجعل من السهل على الالة الوقوع في اخطاء قد تغير المعنى تماما.

واضاف ان الصحف القديمة تمثل تحديا خاصا بسبب كثرة الاعلانات والعناوين المتداخلة وتعدد الاعمدة. مما يجعل استعادة الصفحة كما كانت في اصلها مهمة صعبة تقنيا. واكد ان الخطأ في حرف واحد قد يحول كلمة الى اخرى صحيحة لغويا لكنها بعيدة تماما عن السياق التاريخي للوثيقة.

واشار مبارك الى ان استخراج النص هو مجرد بداية العمل. حيث يحتاج المحتوى الى تنظيف وتدقيق وتوصيف دقيق. مع ضرورة الحفاظ على الرابط بين النص المستخرج والصفحة الاصلية لضمان الامانة العلمية والقدرة على المراجعة البشرية في حال حدوث اخطاء تقنية.

مخاطر انتقال الاخطاء الى الذكاء الاصطناعي

واكد الباحثون ان اخطاء القراءة الالية قد تتفاقم اذا ما تم اعتمادها دون تدقيق. حيث يمكن للاخطاء ان تصبح جزءا من قواعد البيانات التي تتعلم منها النماذج الذكية. مما يؤدي الى تضليل الباحثين او اعطاء نتائج غير دقيقة عند البحث عن اشخاص او تواريخ او اماكن جغرافية.

واضافوا ان الحل يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في مرحلة التحقق. من خلال مقارنة النصوص المستخرجة بالصور الاصلية واكتشاف التناقضات. مع ضرورة الاحتفاظ بالوثيقة المصورة كمرجع دائم للتحقق من مصداقية المعلومات.

وخلص الخبراء الى ان رقمنة الذاكرة العربية يجب ان تقاس بمدى امانة النص للمصدر. وليس بعدد الصفحات المعالجة. فالحفاظ على التراث يتطلب توازنا دقيقا بين كفاءة الالة ووعي الانسان لضمان بقاء الذاكرة العربية حية ومتاحة للاجيال القادمة دون ان تفقد جوهرها التاريخي.