تواجه خطط الحكومة الليبية لتطوير قطاع الطيران المدني عبر شراكة استراتيجية مع شركة بوينغ الاميركية حالة من الانقسام الحاد في الاراء وسط تساؤلات مشروعة حول جدوى تأسيس كيانات جديدة في ظل الازمات المالية والتشغيلية التي تعصف بالناقل الوطني منذ سنوات. كشفت مصادر مطلعة ان المباحثات التي اجراها مسؤولون ليبيون مع عملاق صناعة الطائرات الاميركية ركزت على تطوير الاسطول وتقديم الدعم الفني والتدريب وهو ما يفتح الباب امام تساؤلات حول اولويات الانفاق الحكومي في قطاع يعاني من ترهل اداري وديون متراكمة.

واوضحت التقارير الاقتصادية ان قطاع الطيران في ليبيا لا يزال يرزح تحت وطأة التبعات السلبية للانقسام السياسي والاضطرابات الامنية التي توالت منذ اكثر من عقد من الزمن. واضافت ان الانتقال من مجرد مذكرات تفاهم اولية الى تأسيس شركة طيران جديدة يطرح تحديات لوجستية ومالية كبيرة خاصة مع وجود شركتي الخطوط الجوية الليبية والافريقية اللتين تكافحان من اجل البقاء في ظل اعطال فنية ونقص في السيولة وتأخر في مستحقات العاملين.

واكد خبراء في مجال النقل الجوي ان الاولوية القصوى يجب ان تنصب على اصلاح المؤسسات القائمة بدلا من تشتيت الموارد في مشروعات جديدة قد لا تنجح في استيعاب الكوادر الوطنية او تحسين الخدمات بشكل ملموس. وشدد هؤلاء على ان الناقل الوطني يمثل هوية الدولة ولا يقتصر دوره على الجانب التجاري فقط حيث اثبتت التجارب السابقة قدرته على اداء ادوار حيوية في الازمات الوطنية.

تحديات هيكلية تواجه الناقل الوطني الليبي

وبينت الارقام الرسمية ان الديون الداخلية للخطوط الجوية الليبية وصلت الى مستويات قياسية بينما لا تزال الخطوط الافريقية تواجه صعوبات بالغة في سداد التزاماتها المالية التي تراكمت عبر سنوات من الصراعات. واشار مراقبون الى ان اي خطوة نحو تحديث الاسطول يجب ان تسبقها عملية اعادة هيكلة جذرية للمؤسسات القائمة لضمان استدامة العمليات التشغيلية وتطوير البنية التحتية للمطارات بما يتماشى مع المعايير الدولية.

واضاف المحللون ان الاعتماد على الخبرات الاجنبية والكوادر القادمة من الخارج لتشغيل طائرات جديدة قد يوفر حلولا مؤقتة لكنه لا يبني صناعة طيران وطنية مستدامة وقادرة على المنافسة في الاسواق الاقليمية. واكدوا ان الاستثمار الحقيقي يكمن في تأهيل المهندسين والطيارين الليبيين وتوفير الحوافز اللازمة لهم لضمان نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا الحديثة.

واوضحت اصوات من داخل قطاع الطيران ان الاحتجاجات المستمرة للموظفين بسبب تأخر الرواتب والمطالبة بمحاسبة الادارات المتسببة في التراجع الحالي تعكس حالة من الاحتقان داخل المؤسسات الوطنية. وشدد هؤلاء على ان اي مشروع جديد يغفل معالجة هذه الملفات العالقة سيعيد انتاج نفس الازمات بدلا من تقديم حلول جذرية لمشكلات النقل الجوي في البلاد.

تساؤلات حول التمويل والجدوى الاقتصادية

وذكرت تقارير اعلامية ان الغموض لا يزال يكتنف مصادر تمويل المشروع الجديد مع تزايد التكهنات حول امكانية استخدام الاموال الليبية المجمدة في الخارج. واضافت ان الحكومة الليبية لم تقدم حتى الان ردا واضحا على هذه التساؤلات رغم توقيع مذكرات التعاون الاستراتيجي التي تهدف في ظاهرها الى تحديث الاسطول وتعزيز التعاون الفني والتقني مع الشركاء الدوليين.

وبينت ان التاريخ المهني لقطاع الطيران في ليبيا يمتد لعقود من التحديات التي بدأت مع فرض العقوبات الدولية وانتهت بالظروف الراهنة التي تتطلب حكمة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية. واكدت ان التغيير الحقيقي يتطلب توازنا دقيقا بين الرغبة في التحديث ومواكبة التطور العالمي وبين ضرورة حماية الاصول الوطنية واصلاح هياكلها الادارية والمالية.

وختم المراقبون بان نجاح المبادرة مع بوينغ مرهون بمدى شفافية الحكومة في طرح تفاصيل المشروع ومدى قدرتها على تقديم رؤية واضحة تضمن عدم تهميش الناقل الوطني الحالي. واضافوا ان الشعب الليبي ينتظر نتائج ملموسة تنهي معاناته مع اسعار التذاكر وتراجع مستوى الخدمات في المطارات بدلا من الدخول في مغامرات استثمارية غير محسوبة العواقب.