تشهد الساحة التعليمية في ليبيا حالة من الترقب والتوتر بعد ان اعلن حراك المعلمين التراجع عن قرار استئناف الدراسة الذي كان مقررا يوم الاحد المقبل. وجاء هذا التراجع المفاجئ بعد تصريحات رسمية صادرة عن وزارة المالية تؤكد استحالة صرف الفروقات المالية للمعلمين في الوقت الراهن والتي تقدر بنحو 24 مليار دينار. واظهرت هذه التطورات فجوة كبيرة بين مطالب الكادر التعليمي والقدرة المالية للحكومة مما دفع المعلمين للتلويح باضراب شامل في كافة المدارس.
واكد رئيس حراك المعلمين ان التراجع عن وعود استئناف الدراسة جاء نتيجة غياب الالتزام الحكومي بتنفيذ التفاهمات السابقة. وبين ان المعلمين باتوا في موقف موحد يرفض العودة للعمل دون ضمانات ملموسة لصرف مستحقاتهم المالية المتراكمة. واوضح ان هذا القرار يعكس حالة من الاحباط العام تجاه وعود السلطات التنفيذية التي لم ترق لمستوى طموحات العاملين في قطاع التربية والتعليم.
وكشفت نقابة معلمي سوق الجمعة عن موقفها الرافض للعودة للعمل مشددة على ان الاعتصام سيستمر حتى يتم ايداع المستحقات في الحسابات المصرفية للمعلمين بشكل فعلي. واضافت النقابة في بيان لها ان قرار تعليق الاعتصام يجب ان يكون نابعا من ارادة جماعية وليس من خلال مبادرات فردية او تفاهمات غير مضمونة. وشددت على ان المسؤولية تقع بالكامل على عاتق الجهات التنفيذية والتشريعية في البلاد.
انقسام في المواقف حول استئناف العملية التعليمية
وعلى صعيد مواز اعلنت مراقبات التربية والتعليم في عدد من البلديات الليبية مثل صرمان والزاوية والزنتان عن استئناف الدراسة بشكل طبيعي يوم الاحد. ودعت هذه الجهات المعلمين للعودة الى مقاعد الدراسة حرصا على مصلحة الطلاب مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار المطالبة بالحقوق المالية. واظهرت هذه الدعوات وجود تباين في التعامل مع الازمة بين البلديات المختلفة وبين الحراك النقابي العام.
وبينت وزارة المالية في سياق ردها على الازمة انها ستقوم بتحويل مبالغ مالية مخصصة لعلاوة الحصة لوزارة التعليم لتوزيعها على المستحقين. واوضحت الوزارة ان هذا الاجراء منفصل تماما عن ملف الفروقات المالية الكبرى التي تتطلب اعتمادات ضخمة لا تتوفر حاليا. واكدت ان الحكومة ارسلت مشروع قانون جدول الرواتب الموحد الى مجلس النواب بهدف معالجة الاختلالات الهيكلية في اجور القطاع العام.
واضافت وزارة المالية في توضيحها ان استمرار تعطيل الدراسة يلحق ضررا بالغا بالطلاب الذين فقدوا جزءا كبيرا من العام الدراسي. وشددت على ان العودة للمدارس لا تعني التنازل عن المطالب المشروعة للمعلمين بل تفتح المجال لاستمرار الحوار في بيئة مستقرة. ومع ذلك لا تزال النقابات العامة تصر على ان الحلول المالية الملموسة هي السبيل الوحيد لإنهاء حالة الاحتقان.
تداعيات الازمة على مستقبل العام الدراسي
وتضع هذه التطورات حكومة الوحدة امام تحد حقيقي في ادارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية في ظل ضغوط نقابية متزايدة. واشار مراقبون الى ان غياب الثقة بين المعلمين والجهات الرسمية جعل من الصعب الوصول الى اتفاق ينهي الاضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر الماضي. واكدوا ان الطلاب هم الحلقة الاضعف في هذا النزاع الذي يتأرجح بين المطالب المعيشية والقيود المالية للدولة.
واظهرت الوقائع الميدانية ان المعلمين يرفضون الوعود الشفوية ويطالبون بضمانات تنفيذية واضحة. وبينت المعطيات ان التفاهمات التي تم الاعلان عنها في تاجوراء لم تكن كافية لاقناع القاعدة العمالية بالعودة للفصول الدراسية. واكد المعلمون ان رسالتهم التعليمية ستبقى قائمة لكنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بتحقيق العدالة في الحقوق والرواتب.
وتستمر حالة من عدم اليقين بانتظار تحركات جديدة من مجلس النواب او الحكومة لاحتواء الموقف قبل ان تتفاقم الازمة التعليمية اكثر. واوضحت مصادر تربوية ان استمرار التوقف عن العمل سيؤدي الى تداعيات اكاديمية يصعب تداركها خلال الفترة المتبقية من العام الدراسي. ويبقى المشهد الليبي معلقا على مدى قدرة الاطراف على تقديم تنازلات متبادلة تضمن عودة الطلاب الى مقاعدهم الدراسية في اقرب وقت.
