★سعادة النائب حسين العموش المحترم
★اطلعت على منشوركم على صفحات التواصل الاجتماعي، والذي جاء فيه:
★بدايةً، أُقدّر غيرتكم على حقوق المواطنين، وأحترم موقفكم الرافض لحرمان أي مواطن من حقه في الماء أو الكهرباء، فهذه حقوق أساسية لا يجوز التهاون بها، وهي من صميم مسؤولية الدولة ومؤسساتها.
لكن اسمحوا لي، بكل احترام، أن أقول إن المواطن الأردني لم يعد ينتظر عبارات التهديد بالمحاسبة، بل ينتظر محاسبةً حقيقية تقوم على الأرقام والحقائق، وتبدأ من جذور المشكلة، لا من نتائجها.
سعادة النائب…
أنتم تقولون إن الحكومة ستحاسب تحت القبة، لكن السؤال الأهم هو:
على ماذا ستُحاسب الحكومة؟
هل ستكون المحاسبة على مشروع الناقل الوطني، الذي يُقدَّم للمواطن باعتباره مشروع الأمن المائي المستدام، بينما تشير دراسات وقراءات فنية وتوقعات متخصصة في قطاع المياه إلى أن هذا المشروع، بصيغته الحالية، قد لا يحقق الأمن المائي المستدام الذي تتحدث عنه الحكومة؟
ذلك أن الناقل الوطني سيعمل ضمن شبكة مياه ما يزال الفاقد الحقيقي فيها يقترب من 50%، في حين تتحدث الحكومة عن خفضه إلى 25% خلال سنوات قليلة، وهو هدف تراه كثير من القراءات الفنية بعيدًا عن الواقع إذا ما قورن بالسجل التاريخي للفاقد المائي في الأردن، الذي بقي لعقود يدور في مستويات الأربعينيات والخمسينيات رغم الخطط والاستراتيجيات المتعاقبة.
سعادة النائب…
أما الكلفة، فهي تستحق وقفة وطنية حقيقية.
فقد بدأت التقديرات الأولية للمشروع بما يقارب ملياري دولار، ثم ارتفعت تدريجيًا حتى بلغت عند توقيع الاتفاقية نحو 5.8 مليار دولار، بينما تشير قراءات اقتصادية وتوقعات مالية إلى أن الكلفة الفعلية عند جاهزية المشروع للتشغيل قد تتجاوز 8 إلى 9 مليارات دولار نتيجة كلف التنفيذ والتمويل والتضخم.
ثم تبدأ مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة استرداد الشركة المنفذة لحقوقها.
فالشركة ستبيع المياه للحكومة بسعر يقارب 1.90 دينار للمتر المكعب، وبكمية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويًا.
لكن إذا بقي الفاقد عند مستوياته الحالية، والتي تقترب من 50%، فإن ما يصل فعليًا إلى المواطنين لن يتجاوز نصف هذه الكمية تقريبًا، بينما تتحمل الحكومة كلفة شراء كامل الكمية، وهو ما يعني أن الكلفة الفعلية للمتر المكعب الواصل إلى المواطن قد تقترب من أربعة دنانير للمتر المكعب.
وسيستمر هذا الالتزام لمدة 26 عامًا وفق العقد المبرم، الأمر الذي يعني أن مجموع كلفة المشروع والتزاماته المالية قد يتجاوز 25 مليار دينار، وهي أرقام تستوجب نقاشًا وطنيًا عميقًا قبل أن تصبح واقعًا تتحمله الأجيال القادمة.
سعادة النائب…
الناقل الوطني مشروع مهم وضروري من حيث المبدأ، ولا أحد يعارض إيجاد مصادر مائية جديدة للأردن، لكنه قد لا يحقق النتائج التي يُروَّج لها إذا بقيت المشكلات البنيوية في قطاع المياه على حالها، وفي مقدمتها الفاقد المائي، وضعف الإدارة، واستمرار النهج ذاته في إدارة القطاع.
فالمشكلة ليست في إنتاج المياه فقط، وإنما في إدارة المياه بعد إنتاجها.
فإذا بقي الفاقد على حاله، وبقيت الإدارة المائية كما هي، فإن زيادة الإنتاج وحدها لن تحقق الأمن المائي المنشود.
وهنا أطرح عليكم سؤالًا آخر:
هل ستكون المحاسبة على الواقع المائي الذي نعيشه اليوم؟
نحن أمام عامي 2025 و2026، اللذين يعدهما كثير من المختصين من أصعب الأعوام مائيًا في التاريخ الحديث للدولة الأردنية.
ولم تعد أزمة المياه مقتصرة على محافظتي عجلون وجرش، اللتين عانتا لسنوات طويلة من الفقر المائي، بل بدأت تمتد إلى معظم محافظات المملكة، وعلى رأسها محافظة المفرق.
فماذا لو فوجئنا في أعوام 2030 و2033 و2034 بأن واقعنا المائي لم يتغير كثيرًا رغم تشغيل الناقل الوطني؟
وماذا لو أثبتت الأيام أن عام 2035 سيكون أكثر صعوبة مما نعيشه اليوم؟
ماذا سنقول للمواطن؟
وماذا ستقولون للأجيال القادمة؟
سعادة النائب…
إذا كنا نتحدث اليوم عن بناء السردية الأردنية، فإن السردية الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالشفافية، وبالمصارحة، وبالتخطيط العلمي، وبالإدارة الرشيدة للموارد، حتى لا تجد الأجيال القادمة نفسها أمام أزمة كان يمكن تجنبها لو أُحسن التخطيط لها منذ البداية.
ومن هنا، فإنني أجدد دعوتي لكم بكل احترام.
إذا كنتم تؤمنون بالحوار والمساءلة، فأرجو أن تطالبوا معالي وزير المياه بمناظرة علمية مفتوحة على أي قناة فضائية أردنية، نناقش فيها أمام الرأي العام، وبالأرقام والوثائق:
▪️ حقيقة الواقع المائي في الأردن.
▪️ مستقبل الأمن المائي بعد الناقل الوطني.
▪️ الكلفة الحقيقية للمشروع.
▪️ أثر الفاقد المائي على نجاحه.
▪️ مستقبل المحافظات الأكثر عطشًا.
▪️ والحلول الواقعية القابلة للتنفيذ.
وأؤكد أنني على أتم الاستعداد لهذه المناظرة في أي وقت، وبكل احترام، وبالأرقام والوثائق، وبمنهج علمي يهدف إلى خدمة الأردن والدفاع عن حق المواطن في الماء.
أما الاكتفاء بالتصريحات تحت القبة، ثم أن تنتهي الجلسات ويبقى المواطن ينتظر شربة ماء، فلن يغيّر من الواقع شيئًا.
فالمواطن لا يريد أن يسمع أن الحكومة ستُحاسب، بل يريد أن يعرف:
كيف ستُحاسب؟ وعلى ماذا ستُحاسب؟ وما الذي سيتغير في حياته بعد هذه المحاسبة؟
مع خالص الاحترام والتقدير.
د. ثابت المومني
متخصص في إدارة الموارد المائية في الأردن
