كشفت بيانات احصائية حديثة عن تدهور حاد في واقع سوق العمل اللبناني نتيجة التداعيات المستمرة للحرب والازمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد، واظهرت النتائج ان ثلث القوى العاملة في القطاع الخاص فقدت وظائفها بشكل كامل، وهو ما يعكس حجم الضرر الكبير الذي لحق بالاسس الاقتصادية والاجتماعية للافراد والاسر.
واوضحت التقارير الميدانية ان عملية مسح شاملة استهدفت عينة واسعة من العمال في مختلف المحافظات، كشفت ان نسبة البطالة ارتفعت بشكل مقلق لتطال قطاعات حيوية، واكدت المؤشرات ان متوسط دخل العاملين شهد انخفاضا حادا تجاوز الاربعين بالمئة عند دمج خسائر الوظائف مع تراجع الاجور الفعلية.
واضافت التحليلات ان النزوح السكاني كان احد المحركات الرئيسية لهذا التراجع، حيث ان نسبة كبيرة من النازحين وجدوا انفسهم خارج سوق العمل، واشار الخبراء الى ان هذه الازمة لم تقتصر على مناطق المواجهات المباشرة بل امتدت لتشمل كافة المناطق اللبنانية نتيجة ضعف الطلب واضطراب الاسواق وتضخم الاسعار.
الفئات الاكثر تضررا في سوق العمل
وبينت النتائج ان الفئات الاكثر هشاشة في المجتمع اللبناني كانت الاكثر عرضة لفقدان مصادر رزقها، واكدت البيانات ان الاشخاص ذوي الاعاقة والنساء والشباب واللاجئين السوريين سجلوا اعلى معدلات البطالة بين الفئات المذكورة، واوضحت ان غياب عقود العمل المكتوبة والمستويات التعليمية المحدودة زاد من حدة هذه الازمة.
وشددت التقارير على ان العمال الذين تمكنوا من الحفاظ على وظائفهم او وجدوا فرصا بديلة اضطروا للقبول بشروط عمل اقسى واجور ادنى بكثير، واوضحت ان الكثير من هؤلاء انتقلوا قسرا الى قطاعات العمل غير المنظم او العمل لحسابهم الخاص في محاولة يائسة لتامين الحد الادنى من متطلبات الحياة.
واشار التقرير الى ان الاسر اللبنانية باتت تعتمد بشكل شبه كلي على مدخراتها الشخصية لمواجهة تكاليف المعيشة، واكدت ان اكثر من اربعين بالمئة من العاملين لجأوا الى تاجيل سداد الديون والفواتير الاساسية او خفض الانفاق على المواد الغذائية الضرورية، وهو ما ينذر بمخاطر حقيقية على الامن الغذائي والاستقرار الاسري.
خارطة طريق للتعافي الاقتصادي
وكشفت التوصيات الصادرة عن الجهات المعنية عن حاجة ملحة لتدخل حكومي ودولي عاجل، واوضحت ان الاولوية يجب ان تتركز على خلق فرص عمل مستقرة ودعم الاجور المنهارة، واكدت ان الحل يتطلب مزيجا من المساعدات الانسانية الفورية والاستثمارات طويلة الامد لدعم المنشات الصغيرة والمتوسطة.
واضافت ان تعزيز نظم بيانات سوق العمل وتفعيل المؤسسات الوطنية للتشغيل يعد ركيزة اساسية للمرحلة المقبلة، وبينت ان الانتقال التدريجي نحو اقتصاد منظم وتوفير حماية اجتماعية شاملة للعمال هو السبيل الوحيد لضمان عدم انزلاق المزيد من الفئات نحو الفقر المدقع والاقصاء الاجتماعي.
واكدت الجهات الدولية التزامها بالعمل مع الحكومة والشركاء المحليين لدعم تعافي سوق العمل في لبنان، واوضحت ان الهدف هو حماية العمال وتوفير بيئة عمل لائقة تسهم في اعادة احياء النشاط الاقتصادي وضمان كرامة العاملين في ظل الظروف القاسية التي تمر بها البلاد.
