لم تتخيل اسيل عميرة ذات الثلاثين عاما ان قرارها بالنجاة باطفالها من اتون الحرب في السودان سينتهي بها الى واقع اكثر قسوة ومرارة داخل قطاع غزة. وصلت اسيل الى القطاع بحثا عن الامان والاستقرار بعد رحلة شاقة هربا من ظروف الحرب هناك، لتجد نفسها بعد اشهر قليلة عالقة وسط حرب ابادة شاملة فرضت عليها وعلى طفليها نمطا من العيش يتسم بالخوف والنزوح المستمر تحت القصف العنيف الذي لم يستثن احدا.

واوضحت اسيل في حديثها ان حياتها انقلبت راسا على عقب منذ اندلاع الحرب الاخيرة، حيث اضطرت للنزوح من جنوب القطاع الى شماله تحت وطأة الغارات المكثفة، واضافت انها تعيش اليوم في خيمة تفتقر لادنى مقومات الحياة، مشيرة الى ان تجربتها في النزوح فرضت عليها مسؤوليات مضاعفة كأم واب في آن واحد، في ظل غياب زوجها الذي تركته خلفها في السودان.

وبينت الام المكلومة ان معاناتها تتجاوز الجوع والبرد، لتصل الى الالم النفسي العميق الذي يعتصر قلبها حين تسالها طفلتها عن والدها، واكدت ان طفليها يفتقدان ابسط حقوقهما في حياة طبيعية، حيث يقضيان يومهما في محاولة فهم سبب غياب والدهما الذي يكتفي بالتواصل معهم عبر اتصالات هاتفية متقطعة تزيد من وجع الاشتياق والحنين الى اللقاء.

مأساة العائلات المشتتة بين الحروب

وكشفت اسيل عن الفوارق الصادمة بين الحربين التي عاشتهما، مبينة ان ما يحدث في غزة يتجاوز كل وصف، حيث شاهدت بام عينيها دمار المنازل والمستشفيات والمدارس، واضافت ان الاعلام لا ينقل الا جزءا ضئيلا من حجم الكارثة التي يعيشها سكان القطاع، مؤكدة ان البحث عن لقمة العيش صار معركة يومية تستنزف طاقتها وقوتها البدنية والنفسية.

وشددت على ان محاولاتها المستمرة بالتواصل مع الجهات الدولية لتسهيل سفرها والالتحاق بزوجها لم تثمر حتى الان عن نتيجة ملموسة، واشارت الى ان الوعود التي تتلقاها لا تزال حبرا على ورق، بينما تزداد الاوضاع سوءا في رفحا مع استمرار القيود على المعابر، الامر الذي جعل مستقبل عائلتها معلقا على قرارات لا تملك هي ادنى سيطرة عليها.

واكدت ان حالة القلق التي تعيشها تمنعها من النوم الهادئ، فهي تخشى ان يؤثر الضغط النفسي على صحتها، وتتساءل بحرقة عن ذنب اطفالها الذين يحرمون من ابسط حقوقهم في التعليم والعيش بكرامة، واضافت ان اطفالها باتوا يطالبونها بالعودة الى والدهم حتى لو كان ذلك يعني العودة الى مناطق الدمار، مفضلين المخاطرة بالحياة معا على البقاء متفرقين.

واقع الزوجات العالقات في غزة

وبينت اسيل ان معاناتها ليست حالة فردية، بل هي جزء من مأساة مئات النساء اللواتي يواجهن مصيرا مجهولا داخل القطاع، واوضحت ان هناك مئات الزوجات اللواتي يعشن في الخيام او في ظروف نزوح قاسية، وجميعهن ينتظرن بفارغ الصبر لم شملهن مع ازواجهن الذين ينتظرونهن في الخارج، مؤكدة ان هذا الانتظار الطويل يهدد الروابط الاسرية بالتفكك.

واضافت ان بعض الزوجات العالقات فقدن بالفعل استقرارهن الاسري ووصل الامر ببعضهن الى الانفصال، واكدت ان استمرار هذا الوضع يمثل انتهاكا صارخا للحق في الحياة الاسرية، موضحة ان كل ما تطالب به هو ممر امن ينهي حالة الشتات التي فرضتها الحروب المتتالية على حياتها.

وختمت اسيل حديثها بالتشديد على ان حقها في العودة الى بيتها ولم شمل اسرتها هو مطلب انساني بسيط، مشيرة الى ان السنوات الثلاث الماضية كانت كفيلة بسحق احلامها، وانها لم تعد تطلب سوى فرصة للعيش بسلام بعيدا عن اصوات القنابل وذكريات الفقد، في انتظار ان يصحو العالم على ماساة العائلات التي مزقتها الحروب.