بقلم: نانسي السيوري

ليست قيمة الخطابات الملكية في ما تحمله من عبارات وتوجيهات فحسب، بل في قدرتها على وضع الدولة أمام أسئلة المرحلة، وتحديد مسؤوليات المؤسسات، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. ومن هنا، فإن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مناسبة دستورية عابرة، بل باعتباره خطابًا يضع الجميع أمام اختبار حقيقي: اختبار القدرة على الانتقال من القول إلى الفعل، ومن إعلان الأولويات إلى تحقيقها.
جاء الخطاب في مرحلة لا تحتمل التردد، إقليميًا بما تشهده المنطقة من اضطرابات وتحديات، وداخليًا بما يواجهه المواطن من أعباء اقتصادية ومعيشية، وما تفرضه مسارات التحديث من استحقاقات سياسية ومؤسسية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نتفق على تشخيص التحديات، بل يجب أن نمتلك الشجاعة لمواجهة أسبابها ومعالجة نتائجها.
كان استحضار جلالة الملك لشهداء الكرك والتأكيد على مواجهة الإرهاب وأمن الأردن ووحدته رسالة واضحة بأن استقرار الدولة ليس مجالًا للمساومة. لكن مفهوم الأمن الوطني أوسع من حماية الحدود ومواجهة التهديدات؛ فهو يرتبط أيضًا بصلابة الجبهة الداخلية، وعدالة المؤسسات، وثقة المواطن، وقدرته على التعبير والمشاركة. فالدولة التي تريد مجتمعًا متماسكًا تحتاج إلى مواطن يشعر بأنه شريك في وطنه، وأن حقوقه مصانة، وأن كرامته لا تتوقف على موقعه أو قدرته أو علاقاته. فالاستقرار المستدام لا يُبنى على تماسك المؤسسات وحدها، بل على ثقة المجتمع بها أيضًا.
ومن أكثر الرسائل التي تستحق التوقف عندها تأكيد جلالة الملك أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن مجلس الأمة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب. وهنا تبرز قضية جوهرية في الحياة السياسية الأردنية؛ فالتمثيل النيابي ليس امتيازًا، ولا مقعدًا يُمنح لممارسة الحضور، بل مسؤولية تستوجب أن يكون النائب على مستوى ثقة المواطنين وتطلعاتهم. فالناس لا تريد برلمانًا يكتفي بتسجيل المواقف، بل مؤسسة تمارس دورها الدستوري بفاعلية، وتراقب الأداء الحكومي، وتناقش التشريعات بجدية، وتضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الضيقة. إن قيمة البرلمان لا تُقاس بارتفاع الأصوات داخله، وإنما بقدرته على تحويل صوت المواطن إلى موقف ورقابة وتشريع ونتائج.
كما أن تأكيد الخطاب أن التداول بالشأن العام حق دستوري مشروع، وأن الاختلاف مصدر قوة، يفتح أمامنا واحدًا من أهم ملفات الإصلاح السياسي. لكن السؤال الذي يجب ألا نتجاوزه: هل انتقلنا فعلًا من الاعتراف بحق الاختلاف إلى ممارسته واحترامه؟ إن الحياة السياسية لا يمكن أن تنضج إذا كان المطلوب من المواطن أن يشارك دون أن يعترض، وأن يبدي رأيه دون أن يختلف، وأن يمارس حقه في النقد ضمن حدود لا تسمح له أحيانًا بطرح الأسئلة الصعبة. فالنقد المسؤول ليس إساءة للوطن، والمعارضة ليست خصومة مع الدولة، والاختلاف ليس دليلًا على ضعف الانتماء. بل إن المؤسسات الواثقة هي التي تستطيع الاستماع إلى الرأي المختلف والتعامل معه بالحجة والقانون.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن مستقبل التحديث السياسي دون التوقف عند موقع الشباب داخل الحياة الحزبية. لقد أصبح من السهل أن تتحدث الأحزاب عن الشباب، وأن تعلن عن لجان شبابية، وأن تنظم لقاءات تستقطبهم، لكن الأصعب هو أن تمنحهم صلاحيات حقيقية، وأن تفتح أمامهم الطريق إلى مواقع القيادة وصناعة القرار. لا يمكن لحزب أن يطالب الدولة بتوسيع المشاركة السياسية، بينما لا يطبق هذه المشاركة داخل مؤسساته. ولا يمكن أن نتحدث عن تجديد الحياة السياسية ونحن نعيد إنتاج القيادات والأدوات ذاتها، ثم ننتظر من الشباب أن يكونوا مجرد قوة تنظيمية أو انتخابية. نحن لا نريد شبابًا يُستدعى لاستكمال الأعداد، ولا وجوهًا شابة لتجميل المشهد، ولا مشاركة تنتهي بانتهاء الفعالية. نريد أحزابًا تؤمن بأن الشباب شركاء في صياغة البرامج، وتحديد المواقف، وقيادة الملفات، ومناقشة القرارات، وتحمل المسؤولية والمحاسبة. والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه كل قيادة حزبية بوضوح: كم شابًا منحتموه فرصة حقيقية لصناعة القرار، وليس فقط فرصة للجلوس في الصفوف الأمامية؟
أما اقتصاديًا، فإن الحديث عن المشاريع الكبرى يكتسب أهميته من ارتباطه المباشر بحياة المواطنين. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بحجم المؤتمرات أو عدد الإعلانات، بل بما يتغير في واقعه. الشاب الذي يحمل شهادته وينتظر فرصة عمل، والخريجة التي تبحث عن استقلالها الاقتصادي، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، وصاحب المشروع الذي يصارع تحديات التمويل والاستمرار؛ جميعهم يريدون أن يروا أثر التنمية في حياتهم. لذلك، فإن تسريع المشاريع الاقتصادية يجب أن يقترن بوضوح في النتائج، وعدالة في توزيع الفرص، وربط حقيقي بين الاستثمار وخلق الوظائف، وبين النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. ولا يمكن الحديث عن تنمية وطنية مكتملة بينما تبقى بعض المحافظات خارج دائرة الفرص، أو تبقى الكفاءة أقل تأثيرًا من العلاقات والاعتبارات الشخصية.
ولم يكن تأكيد جلالة الملك على أولوية المياه مجرد تأكيد لغوي، بل رسالة واضحة حول أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الدولة الأردنية. فالأمن المائي جزء من الأمن الوطني، والتعامل معه يجب أن يكون بحجم التحدي. المياه ليست قضية وزارة أو قطاع بعينه، بل مسؤولية دولة ومجتمع وأجيال. وتحتاج إلى إدارة مستدامة، ومشاريع طويلة الأمد، وحماية للموارد، ووعي مجتمعي، واستثمار في الحلول والابتكار البيئي. ومن الخطأ أن نتعامل مع هذا الملف بردود الفعل، بينما يتطلب تخطيطًا استراتيجيًا يضع حقوق الأجيال القادمة في صلب السياسات الحالية.
أما التأكيد على عدم وجود حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وليست تشريفًا، فيضع مبدأ المساءلة في قلب العلاقة بين الدولة والمواطن. لكن قيمة هذا المبدأ لا تظهر في صياغته، بل في تطبيقه. فالمواطن يريد أن يرى عدالة لا تتغير بتغير الأسماء، وفرصًا لا تتحكم بها الواسطة، ومؤسسات لا تتردد في محاسبة المقصر مهما كان موقعه. إن الثقة لا تُبنى بطلبها، بل تُكتسب عندما يشعر الناس بأن القانون يحمي حقوقهم، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن الكفاءة هي الطريق إلى مواقع الخدمة العامة.
وفي خضم هذه الملفات، يبقى الموقف الأردني من القضية الفلسطينية حاضرًا بوصفه ثابتًا وطنيًا وسياسيًا. فالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ورفض الانتهاكات التي يتعرض لها، لا ينفصلان عن رؤية الأردن لأمن المنطقة واستقرارها، وعن مسؤوليته التاريخية تجاه القدس ومقدساتها. وفي زمن تتزاحم فيه الأزمات، تظل الحاجة قائمة إلى موقف سياسي واضح، وإلى وعي شعبي قادر على فهم أبعاد القضية ومواجهة محاولات تغييبها أو تشويه حقيقتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي خطاب وطني مهم هو أن يتحول إلى مادة للاقتباس والتداول، ثم تتراجع رسائله أمام إيقاع العمل اليومي دون أن تتحول إلى نتائج. ولهذا، فإن مسؤولية المرحلة لا تقع على الحكومة وحدها، ولا على مجلس الأمة وحده؛ بل هي مسؤولية متكاملة تتطلب وضوحًا في الأدوار، ومؤشرات قابلة للقياس، ومساءلة عن النتائج. نحتاج إلى حكومة تُقاس بإنجازها، وبرلمان يُقاس بفاعلية رقابته وتشريعاته، وأحزاب تُقاس بقدرتها على إنتاج قيادات وبرامج، ومؤسسات مجتمع مدني تُقاس بأثرها، وشباب يُمنحون الفرصة ليكونوا جزءًا من الحل لا مجرد عنوان له.
ومن موقعي كشابة تؤمن بالعمل العام والسياسي والمجتمعي، أرى أن خطاب العرش يضع أمام جيلنا مسؤولية لا تقل عن مسؤولية المؤسسات: أن نخرج من دائرة الانتظار، وأن نمتلك المعرفة والشجاعة والمبادرة، وأن نطالب بحقنا في المشاركة دون أن نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه الوطن. لكن دعوة الشباب إلى تحمل المسؤولية يجب أن تقابلها إرادة حقيقية لفتح الأبواب أمامهم، وأن يتحول الحديث عن التمكين إلى صلاحيات وفرص ومواقع تأثير.
لسنا بحاجة إلى جيل يتقن ترديد الشعارات الوطنية، بل إلى جيل يفهم الدولة ومؤسساتها، ويناقش سياساتها، ويقدم البدائل، ويحترم القانون، ويؤمن بأن الانتماء لا يتعارض مع النقد، وأن المسؤولية لا تنفصل عن المساءلة.
الأردن لا تنقصه الطاقات الشابة، بل يحتاج إلى أن تتحول هذه الطاقات إلى قوة حقيقية في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والتنمية الوطنية. فالتحديث الذي لا يغيّر واقع المشاركة يبقى ناقصًا، والتمكين الذي لا يمنح صلاحيات يبقى عنوانًا، والإصلاح الذي لا يشعر المواطن بأثره يبقى وعدًا ينتظر التنفيذ.
لسنا الجيل الذي يريد أن يرث مقاعد في المستقبل، بل الجيل الذي يريد أن يشارك في صناعة مستقبله.