لم تعد معركة شركة ايرباص الاوروبية مقتصرة على تفوقها التقني في عالم الطيران او ملء دفاتر طلبياتها التي تفيض بالزبائن، بل انتقلت الى ساحة اكثر تعقيدا تتعلق بالبيئة التنظيمية التي تفرضها بروكسل على الصناعات الكبرى. واكد الرئيس التنفيذي لايرباص غيوم فوري ان الاعباء التنظيمية المفرطة في اوروبا باتت تشكل عائقا حقيقيا امام المنافسة العالمية، مبينا ان هذه القواعد تضعف قدرة الشركات الاوروبية على مواكبة نظيراتها في الصين والولايات المتحدة. واوضح ان الشركة تواجه تحديات مضاعفة بين ضغوط سلاسل التوريد وبين الالتزام بمتطلبات تشريعية يراها البعض طموحة اكثر من اللازم.

انتقادات متصاعدة وواقع صناعي معقد

وكشف فوري في تصريحاته الاخيرة ان بعض القوانين الاوروبية اصبحت غير قابلة للادارة بشكل عملي، مشددا على ان اهداف ازالة الكربون رغم مشروعيتها فان اليات تنفيذها قد تؤدي لنتائج عكسية على المدى البعيد. واضاف ان المستثمرين بدؤوا يطرحون تساؤلات جادة حول جدوى الاستثمار داخل القارة في ظل تعقيد البيئة التشريعية، مبينا ان رؤوس الاموال قد تتوجه نحو اسواق اكثر مرونة ودعما للصناعة. واشار الى ان قواعد المنافسة الاوروبية تعيق ايضا تشكيل كيانات صناعية عملاقة قادرة على مجاراة شركات امريكية مثل سبيس اكس.

اين يكمن العبء التنظيمي الحقيقي؟

وبين تقرير حديث ان نظام تداول الانبعاثات الاوروبي يتصدر قائمة الاعتراضات، حيث تم تقليص المخصصات المجانية لشركات الطيران بشكل متسارع وصولا الى الغائها التام بحلول العام المقبل. واضافت القواعد المتعلقة بالوقود المستدام ضغوطا اضافية، حيث تفرض قوانين الاتحاد نسبا متصاعدة لاستخدام الوقود الاخضر في المطارات الاوروبية، موضحا ان الفجوة بين الطموحات التنظيمية والقدرات الانتاجية الفعلية للوقود الاصطناعي لا تزال واسعة. وشدد محللون على ان العديد من مشاريع الطاقة البديلة لا تزال عالقة في انتظار قرارات الاستثمار النهائية.

هل تدعم الارقام رواية ايرباص؟

واظهرت البيانات السوقية ان ايرباص لا تزال تحتفظ بحصة سوقية قوية تتجاوز 60% في قطاع الطائرات ضيقة البدن، متفوقة على منافستها الامريكية بوينغ. واضافت الشركة مستهدفات طموحة لتسليم الطائرات رغم استمرار اختناقات سلاسل الامداد ونقص المحركات لدى الموردين الرئيسيين. وبينت التقارير ان التحديات التشغيلية لا تقتصر على القوانين، بل تمتد لتشمل ضغوطا جيوسياسية من الصين التي بدات تستخدم اجراءات الاعتماد كأداة ضغط صناعية.

بروكسل تدافع عن نموذجها الاقتصادي

واكدت المفوضية الاوروبية ان التنظيم لا يهدف لعرقلة الصناعة بل يعتبر حافزا للابتكار، مستشهدة بتجارب سابقة تحولت فيها المعايير الاوروبية الى مرجع عالمي في السلامة والجودة. واضافت بروكسل انها تعمل على تبسيط الاجراءات الادارية وتقليص المتطلبات غير الضرورية لتعزيز التنافسية، موضحا ان الهدف هو موازنة الاستدامة مع النمو الصناعي. وشدد خبراء على ان تقرير ماريو دراغي الاخير حول مستقبل التنافسية الاوروبية وضع يده على الجرح بضرورة اصلاح بيئة الاستثمار دون التخلي عن الاهداف البيئية.

معضلة المستقبل الصناعي

واظهرت التحليلات ان النقاش الدائر حاليا ليس مجرد خلاف عابر، بل هو اختبار حقيقي لقدرة اوروبا على تطوير نموذج اقتصادي مرن. واضافت شركات طيران كبرى صوتها لمطالب ايرباص بضرورة مراجعة الجداول الزمنية لتطبيق القوانين البيئية بما يتناسب مع الواقع التكنولوجي. واوضح مراقبون ان المراجعات المرتقبة لسياسات الطيران خلال العامين القادمين ستكون الفيصل في تحديد ما اذا كانت بروكسل ستستجيب لمخاوف عمالقة الصناعة ام ستتمسك بمسارها التنظيمي الصارم.