تواجه اتفاقية التجارة الحرة التي تنظم العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك منعطفا حاسما في ظل توجه الادارة الامريكية نحو اعتماد مسارات تفاوضية منفصلة مع جيرانها. وتفرض هذه الاستراتيجية ضغوطا غير مسبوقة على استقرار السوق المشتركة التي استمرت لاكثر من ثلاثة عقود وسط مخاوف من ان تؤدي هذه المحادثات الثنائية الى فرض تنازلات قسرية تعيد صياغة قواعد التبادل التجاري في القارة.

واظهرت التطورات الاخيرة تصعيدا لافتا من الجانب الامريكي بعد قرار عدم تمديد الاتفاقية القائمة لفترة زمنية طويلة والاكتفاء بمراجعات دورية. واضافت الادارة الامريكية بعدا اكثر تعقيدا للمشهد بفرض رسوم جمركية مرتفعة على سلع كندية متنوعة ردا على سياسات تجارية تخص قطاع السيارات ومنتجات الالبان مما دفع الاطراف المعنية للبحث عن صيغ توافقية تضمن الحفاظ على تدفقات التجارة البينية رغم التوترات السياسية القائمة.

وبين خبراء الاقتصاد ان المخاطر الاقتصادية تتزايد بشكل كبير على كندا والمكسيك نظرا لارتباط سلاسل الامداد وتداخل شبكات الانتاج بشكل وثيق مع السوق الامريكية. واكد محللون ان الشركات الكبرى التي تعتمد على التصنيع العابر للحدود تجد نفسها امام حالة من عدم اليقين التي قد تعيق استمرار العمليات الانتاجية وتدفع باتجاه اعادة تقييم الاستثمارات طويلة الاجل في المنطقة.

تحديات المسارات التفاوضية المنفصلة

وكشفت نقاشات المرحلة الحالية عن تباين واضح في اولويات الدول الثلاث حيث تسعى كل دولة لحماية مصالحها الوطنية تحت ضغوط قيود سياسية واقتصادية متفاوتة. واوضح مفاوضون ان التحدي الجوهري يكمن في كيفية مواءمة المسارات الثنائية مع الاطار الثلاثي الشامل الذي تطالب به كندا والمكسيك لضمان عدم تفكيك المكتسبات التجارية السابقة التي ساهمت في حماية اقتصاداتهما من التقلبات العالمية.

واشار مسؤولون مطلعون الى ان المحادثات بين واشنطن ومكسيكو سيتي تسير بوتيرة اسرع مقارنة بالتواصل مع اوتاوا مما يمنح الجانب المكسيكي فرصة اكبر لتحقيق مكاسب استثمارية وتجنب بعض الرسوم الجمركية القاسية. واضافت المصادر ان هناك اتفاقا مبدئيا بين الولايات المتحدة والمكسيك حول ضرورة معالجة قضايا تراجع الوظائف الصناعية والحد من نفاذ المكونات الاسيوية الى اسواق امريكا الشمالية.

وتابعت المكسيك تنفيذ خطوات عملية لاسترضاء الجانب الامريكي من خلال تشديد الرقابة الجمركية وتعزيز حقوق الملكية الفكرية. وشدد مراقبون على ان هذه التحركات المكسيكية تهدف الى تقليص الفجوة في وجهات النظر مع البيت الابيض وضمان استمرارية التنافسية التجارية في ظل الظروف السياسية المتغيرة.

الاستراتيجية السياسية وتأثيرها على الاتفاق

واظهرت استراتيجيات الدولتين ان المكسيك تبدو اكثر مرونة في تقديم تنازلات تتعلق بأمن الحدود والحد من تدفقات مواد معينة. واضافت تقارير ان الجانب الكندي يتمسك بموقف مختلف حيث يسعى رئيس الوزراء الى موازنة الضغوط الخارجية مع التزاماته الانتخابية الداخلية مما يجعل عملية التفاوض اكثر تعقيدا وتطلبا للوقت.

واكد المتحدث باسم وزارة التجارة الكندية ان بلاده تواصل تقديم مقترحات متوازنة تخدم الاقتصاد الاقليمي بشكل عام. وبين ان الهدف الكندي يتجاوز مجرد سرعة الوصول الى اتفاق حيث يتركز الجهد على جودة الشروط التجارية بما يضمن حماية الصناعات الوطنية من اي ضرر قد يلحق بها نتيجة الرسوم الجمركية المخطط تطبيقها.

وكشفت التحليلات ان ورقة التهديد بالرسوم تظل اداة سياسية فعالة للادارة الامريكية في سياق التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وشدد خبراء على ان الفترة القادمة ستشهد سباقا مع الزمن بين المفاوضين للوصول الى ارضية مشتركة تحول دون انهيار الاتفاقية الشاملة وتحافظ على مصالح امريكا الشمالية الاقتصادية.