تجد تونس نفسها اليوم في مرحلة مفصلية بعد مرور سنوات على التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد. حيث تبرز حصيلة الاداء الاقتصادي كلوحة مليئة بالتناقضات بين مساعي السلطة لتثبيت التوازنات المالية الكبرى وبين التحديات المعيشية التي لا تزال تضغط على كاهل المواطنين. بينما تصر الجهات الرسمية على ان البلاد نجحت في تجنب سيناريوهات الانهيار المالي. يرى مراقبون ان الواقع الاقتصادي لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية مزمنة تعيق تحقيق قفزة تنموية حقيقية.

واظهرت بيانات قانون المالية الاخير ان الاقتصاد الوطني سجل نموا بنحو 2.5 بالمئة. وهو مؤشر تراه الحكومة دليلا على التعافي التدريجي بدعم من قطاعات حيوية مثل السياحة والفلاحة. واضاف خبراء في الشأن المالي ان هذا الرقم رغم ايجابيته مقارنة بسنوات الركود. الا انه يظل بعيدا عن مستويات الاقلاع الاقتصادي المطلوب لتغيير واقع التشغيل والاستثمار في البلاد.

وبين محللون ان جزءا كبيرا من هذا النمو المسجل يعود لعوامل ظرفية وموسمية مثل وفرة انتاج زيت الزيتون. موضحين ان غياب الاصلاحات الهيكلية يجعل الاقتصاد رهينة لتقلبات الظروف الخارجية والمناخية عوضا عن الاعتماد على قاعدة انتاجية صلبة ومستدامة.

نمو هش وتحديات مستمرة

واكد اقتصاديون ان معدلات النمو التي تتراوح بين 2 و3 بالمئة سنويا لا تكفي لاستيعاب الاف الخريجين والباحثين عن شغل في سوق العمل. وشدد هؤلاء على ان استمرار الاعتماد على نفس النمط الاقتصادي السابق يقلص فرص تحسين مستويات الدخل الفردي بشكل ملموس. واشاروا الى ان البلاد بحاجة ماسة الى اصلاحات عميقة في مناخ الاعمال لجذب استثمارات ذات قيمة مضافة عالية.

وكشفت تقارير المعهد الوطني للاحصاء عن تراجع تدريجي في مؤشر التضخم ليصل الى مستويات اقل مما كان عليه في ذروة الازمة. واضاف متابعون ان هذا الانخفاض يعكس تباطؤ وتيرة ارتفاع الاسعار وليس انخفاضها الفعلي. موضحين ان المواطن لا يزال يشعر بوطأة الغلاء نتيجة تراكم الزيادات في الاسعار على مدى السنوات الماضية.

وبينت الارقام الرسمية ان السيطرة على التضخم تعد مكسبا نقديا هاما. واكد الخبراء ان هذا الاستقرار النقدي يظل منقوصا ما لم يقترن بزيادة في الانتاجية وارتفاع في الاجور التي تآكلت بفعل التضخم. موضحين ان القدرة الشرائية للمواطن اصبحت المعيار الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية بعيدا عن الارقام الجافة.

استقرار مالي بكلفة اجتماعية

وشددت السلطات في مسارها الاقتصادي على ضرورة الوفاء بالالتزامات المالية الخارجية. واضافت تقارير ان الدولة نجحت في سداد ديونها دون اللجوء الى اعادة الجدولة رغم صعوبة المفاوضات الدولية. واكد محللون ان هذا التوجه ساهم في تجنب التعثر المالي لكنه تم بكلفة مرتفعة تمثلت في تخصيص جزء كبير من الموارد العمومية لخدمة الدين بدلا من توجيهها نحو التنمية.

واظهرت مؤشرات سوق العمل ان نسب البطالة لا تزال تراوح مكانها عند مستويات مرتفعة. واضاف باحثون ان المشكلة ليست في عدد العاطلين فحسب بل في طبيعة الوظائف التي يوفرها الاقتصاد. موضحين ان الاعتماد على قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة لا يحل معضلة بطالة حاملي الشهادات العليا.

وبين مواطنون في استطلاعات ميدانية ان غلاء المعيشة وتكاليف العلاج اصبحت تشكل عبئا يفوق قدرتهم على التحمل. واكدوا ان غياب المشاريع الجديدة دفع الكثيرين الى فقدان الثقة في تحسن الاوضاع قريبا. واضافوا ان الزيادات المحدودة في الاجور لم تعد قادرة على مجاراة الارتفاع الصاروخي في اسعار المواد الاساسية والخدمات.

مستقبل الاقتصاد التونسي

وكشفت الحصيلة العامة ان تونس تجاوزت المرحلة الاصعب من حيث التهديد بالانهيار المالي. واضاف محللون ان الاختبار الحقيقي للفترة القادمة يكمن في القدرة على تحويل هذا الاستقرار الى نمو اقتصادي شامل. واكدوا ان الحاجة اصبحت ملحة اليوم اكثر من اي وقت مضى لتنفيذ اصلاحات هيكلية تلمس حياة المواطن اليومية وتنعش سوق الشغل.

وبينت التحليلات الاقتصادية ان الرقمنة وتشديد الرقابة على مسالك التوزيع قد تكون خطوات اولى نحو تخفيف الضغط على الاسعار. واضاف خبراء ان تحديد سقف لهوامش الربح في بعض القطاعات الحساسة قد يحمي المستهلك من تغول الاسعار. واكدوا ان الاقتصاد التونسي يمتلك من المقومات ما يجعله قادرا على النهوض بشرط وجود رؤية تنموية واضحة تستهدف خلق الثروة وتوزيعها بشكل عادل.

واختتم المحللون ان المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص لتحفيز الاستثمار. واضافوا ان الرهان القادم هو الانتقال من منطق ادارة الازمة الى منطق بناء اقتصاد تنافسي قادر على الصمود امام التحديات العالمية المتزايدة.