تشهد اروقة مجلس الاحتياطي الفدرالي الامريكي حالة من الانقسام الحاد حول مستقبل اسعار الفائدة، حيث تتصاعد الضغوط على رئيس المجلس كيفين وارش لاتخاذ خطوات اكثر تشددا. واظهرت التطورات الاخيرة ان ثلاثة من رؤساء البنوك الاحتياطية الاقليمية قرروا كسر حاجز الصمت، موضحين ان قرار تثبيت الفائدة الاخير لا يتماشى مع خطورة التضخم الذي اصبح يهدد استقرار الاقتصاد بشكل يصعب تجاهله.

وبينت بيث هاماك رئيسة الاحتياطي في كليفلاند، ونيل كاشكاري رئيس احتياطي مينيابوليس، ولوري لوغان رئيسة احتياطي دالاس، ان رؤيتهم للوضع الاقتصادي ترتكز على حقيقة ان الضغوط التضخمية باتت اكثر رسوخا مما كان متوقعا. واكد المسؤولون الثلاثة ان العوامل التي كانت توصف بالمؤقتة، مثل الرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية، لم تعد المبرر الوحيد لاستمرار ارتفاع الاسعار، مما يستدعي تدخلا نقديا عاجلا.

واوضحت لوغان ان الهدف الاستراتيجي المتمثل في خفض التضخم الى مستوى 2 بالمئة بات بعيد المنال في ظل السياسات الحالية، مشددة على ان غياب التحرك الفوري قد يترك الباب مفتوحا امام استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة لفترة اطول. واضافت ان التباطؤ في اتخاذ القرار قد يضع الاقتصاد في مواجهة صدمات غير متوقعة لا يمكن السيطرة عليها لاحقا.

تحالف المعارضة يضع الفدرالي في مأزق

وكشف كاشكاري ان الخيار الاكثر عقلانية حاليا يتمثل في سلسلة من الزيادات التدريجية بدلا من انتظار تفاقم الازمة، معتبرا ان التحرك المبكر يظل اقل تكلفة بكثير من الاضطرار الى اتخاذ اجراءات قاسية ومفاجئة مستقبلا. وايدت هاماك هذا الطرح، معربة عن قلقها العميق من استمرار بقاء التضخم فوق المستهدف لسنوات طويلة دون ان تظهر مؤشرات على تراجعه التلقائي.

واظهرت نتائج التصويت داخل لجنة السوق المفتوحة انقساما بنسبة تسعة اعضاء مقابل ثلاثة، وهو ما يمثل سابقة لم تحدث منذ عام 2016، الامر الذي يعكس اتساع الفجوة الفكرية داخل البنك المركزي. واشار محللون الى ان هذا الاعتراض الجماعي يضعف الصورة التقليدية لاجماع اللجنة، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة القيادة الحالية على توحيد الصفوف.

واكد مراقبون ان اي توجه لرفع الفائدة في الاجتماع القادم يتطلب استقطاب اصوات جديدة من مجلس المحافظين، حيث ان اصوات رؤساء البنوك الاقليمية وحدها لا تكفي لتغيير المسار النقدي. واضافوا ان الضغوط تتزايد بسبب غياب التفسيرات الواضحة من قبل رئيس الفدرالي حول اسباب التمسك بتثبيت الاسعار.

غموض القيادة يغذي التكهنات

وكشفت التقديرات ان غياب الشفافية في مؤتمر وارش الصحفي الاخير ترك فراغا كبيرا ملأته تكهنات السوق، حيث بات المستثمرون يبحثون عن اجابات في تصريحات المسؤولين المعارضين بدلا من البيانات الرسمية. واشار ديريك تانغ المحلل في مونيتاري بوليسي اناليتكس الى ان السوق اصبح يتعامل مع اصوات المعارضين كمرجع اساسي لفهم التوجهات المقبلة.

وبينت البيانات الاقتصادية الاخيرة ان الانقسام ياتي في توقيت حساس، حيث يرى فريق من المسؤولين ان تراجع اسعار الطاقة قد يساعد في تهدئة التضخم ذاتيا، بينما يخشى الفريق الاخر من ان قوة الطلب المحلي والاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي تعمل كمحركات جديدة للتضخم. واكد الخبراء ان هذا الخلاف الجوهري حول محركات الاسعار سيظل المحرك الرئيسي للتقلبات في الاسواق خلال الفترة القادمة.

واظهرت التحليلات ان الفترة المقبلة ستشهد مزيدا من التوضيحات من قبل مسؤولي الفدرالي، في محاولة منهم لتهدئة الاسواق وتوضيح الرؤية النقدية للبنك المركزي وسط ضبابية المشهد الاقتصادي الحالي.