تصاعدت حدة التوتر في ملف مياه النيل مجددا بعد ظهور دعوات اثيوبية غير مسبوقة تطالب القاهرة بدفع تعويضات مالية مقابل استخدام مياه النهر، وهو ما قوبل برفض مصري قاطع واعتبر خروجا عن كافة الاعراف والقوانين الدولية المنظمة للانهار العابرة للحدود. وياتي هذا التحرك في وقت تواصل فيه اديس ابابا سياستها الاحادية في بناء السدود على المجرى المائي مما يضع المنطقة امام مرحلة جديدة من الشد والجذب السياسي والدبلوماسي. واكد مراقبون ان هذه التصريحات تعكس توجها اثيوبيا مستمرا لمحاولة فرض واقع جديد يمس بالحقوق المائية التاريخية لدولتي المصب.

موقف اثيوبيا المثير للجدل

واعتبر وزير المياه الاثيوبي السابق شيفيراو جارسو في تصريحاته الاخيرة ان بلاده لها الحق في المطالبة بعوائد مالية نظير تدفق المياه نحو مصر، مشيرا الى ان اديس ابابا لن تتراجع عن مشاريعها التنموية والمائية على النيل. وكشف المسؤول الاثيوبي ان التهديدات المصرية بخصوص بناء سدود اضافية لن تثني حكومته عن المضي قدما في استغلال الموارد المائية، زاعما ان بلاده تساهم بنسبة كبيرة من تدفقات النيل التي تصل الى دول المصب.

واضاف ان اثيوبيا تضع نصب اعينها الاستمرار في بناء المزيد من السدود لتعزيز قدراتها في توليد الطاقة وتحقيق التنمية المستدامة، معتبرا ان ذلك يندرج تحت بند الاستخدام العادل للموارد الطبيعية. وبين ان هذه الخطوات تاتي في اطار رؤية استراتيجية تتبناها اديس ابابا للسيطرة بشكل كامل على تدفقات المياه، وهو الامر الذي ترفضه القاهرة بشدة وتعتبره تهديدا وجوديا لامنها المائي.

الرد المصري وحق الدفاع

واكدت الدولة المصرية في اكثر من مناسبة وعلى لسان مسؤوليها ان حقوقها في مياه النيل تعد خطا احمر لا يمكن التهاون فيه، مشددة على ان كافة الخيارات متاحة لحماية الامن القومي. واوضح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ان بلاده تمتلك الحق الكامل في الدفاع عن مصالحها وفقا لميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، خاصة في حال تعرضت تدفقات المياه لاي ضرر ملموس يؤثر على حياة ملايين المصريين.

وشدد خبراء المياه على ان الحديث عن تعويضات مالية يفتقر الى اي سند قانوني او مرجعية في الاتفاقيات الدولية، مؤكدين ان اتفاقية عام 1902 وغيرها من المعاهدات التاريخية تلزم اثيوبيا بعدم القيام باي اجراءات تعيق تدفق المياه او تضر بدول المصب. واشار وزير الري المصري الاسبق محمد نصر الدين علام الى ان هذه المزاعم الاثيوبية تعد محاولة مكشوفة للضغط على القاهرة وتسييس ملف المياه لخدمة اجندات اقليمية اوسع.

مستقبل العلاقات المائية

وكشفت التطورات الاخيرة ان الازمة الممتدة منذ اكثر من عقد حول سد النهضة لم تعد مقتصرة على المسائل الفنية، بل تحولت الى صراع سياسي مفتوح يتجاوز حدود التفاهمات التقليدية. واظهرت التحليلات ان اثيوبيا تسعى من خلال هذه التصريحات الى جس نبض الجانب المصري ومحاولة فرض واقع جديد يغير من طبيعة التعامل مع النهر كونه موردا دوليا مشتركا وليس ملكية خاصة لدولة المنبع.

وبين مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير حسام عيسى ان الممارسات الاثيوبية في منطقة القرن الافريقي وحوض النيل الازرق تتطلب تحركا دوليا اكثر فاعلية، مع ضرورة ان تلتزم اديس ابابا بمبادئ الاخطار المسبق وعدم الاضرار. واكد ان مصر ستستمر في اتخاذ كافة التدابير الدبلوماسية والقانونية لضمان حقوق شعبها، مشددا على ان استقرار المنطقة يعتمد بالدرجة الاولى على احترام المواثيق الدولية والتعاون العادل في ادارة الموارد المائية المشتركة.