كثيرا ما يقطع الانسان عمله ليذهب الى غرفة اخرى لجلب غرض معين، لكنه بمجرد عبور الباب يجد نفسه واقفا في حيرة من امره وقد تبخرت الفكرة تماما من ذاكرته. هذه الهفوة اليومية التي ينسبها البعض للشرود الذهني او ضغوط العمل، كشفت الدراسات النفسية انها ترتبط بظاهرة علمية دقيقة تسمى تاثير عتبة الباب. واظهرت النتائج ان الانتقال الفيزيائي بين المساحات المكانية يؤدي الى اعادة ضبط في طريقة معالجة الدماغ للمعلومات، مما يجعل استدعاء النوايا السابقة امرا معقدا ومربكا.
واوضحت الابحاث ان عقل الانسان لا يحتفظ بكل المعلومات بنفس القدر من الحيوية، بل يقوم بتنظيم الخبرات في كتل منفصلة تبعا للمكان والنشاط. واكد الباحثون ان الباب في هذه الحالة يعمل كحد فاصل بين حدثين، حيث يقرر العقل ان المعلومات الخاصة بالغرفة السابقة لم تعد ذات اهمية قصوى، مما يدفع الذاكرة لتحديث بياناتها بما يتناسب مع البيئة الجديدة.
وبين عالم النفس غابرييل رادفانسكي من جامعة نوتردام ان هذا النسيان لا يعني وجود خلل في الذاكرة بقدر ما يعني كفاءة في ادارة الموارد الذهنية. واضاف ان النية التي تنشأ في سياق معين تظل مرتبطة ببيئتها الاصلية، وعندما يغادر الشخص تلك البيئة يجد العقل نفسه مشغولا باستيعاب معطيات المكان الجديد، مما يؤدي الى طمس الفكرة الاصلية بشكل مؤقت.
كيف يخدعك عقلك عند الانتقال بين الاماكن؟
وكشفت تجارب علمية دقيقة اجريت في بيئات افتراضية وواقعية، ان عبور الابواب يقلل من قدرة المشاركين على تذكر المهام التي كانوا ينوون القيام بها. واكدت النتائج ان المسافة المقطوعة ليست هي العامل الحاسم، بل الانتقال بين سياقين مكانيين مختلفين هو ما يحفز الدماغ على التخلي عن المعلومات القديمة. واوضحت ان الدماغ يميل الى ارشفة المهام غير المكتملة كجزء من البيئة السابقة، مما يصعب استرجاعها فور الدخول الى حيز جديد.
وبين الباحثون ان المهام الذهنية المتزامنة تزيد من حدة هذه الظاهرة، فكلما زاد انشغال العقل بمعلومات اضافية اثناء التحرك، زادت احتمالية نسيان الهدف الاساسي. واشاروا الى ان البيئات المتشابهة قد تقلل من هذا الاثر، حيث لا يدرك الدماغ ان هناك بداية لموقف جديد، مما يسمح باستمرارية الفكرة في الذاكرة العاملة لفترة اطول قليلا.
وشدد الخبراء على ان النسيان يحدث حتى مع وجود تركيز عال، فقد اظهرت دراسات نشرت في دوريات علمية ان الدماغ يميل الى تقليل الاولوية للمعلومات بمجرد تجاوز الحدود المكانية. واضافوا ان هذا التراجع في التذكر هو ضريبة يدفعها الانسان مقابل قدرة دماغه على التكيف السريع مع المتغيرات المحيطة به.
استراتيجيات ذكية لتجنب فقدان الذاكرة اللحظي
واكدت الدراسات ان العودة الى المكان الاصلي لا تضمن دائما استرجاع المعلومة المفقودة، لان الدماغ يكون قد انتقل فعليا الى سياق جديد. واضاف الباحثون ان افضل طريقة لتجنب هذه الهفوات هي الحفاظ على استمرارية التركيز على الهدف اثناء الانتقال، وتجنب تشتيت الانتباه باي مهمة اخرى في الطريق.
وبينت التجارب ان تأجيل قراءة الرسائل او الرد على المكالمات اثناء التحرك بين الغرف يقلل بشكل كبير من احتمالية النسيان. وشدد الباحثون على اهمية ادراك هذه الظاهرة لتقليل الاحباط، فمعرفة ان العقل يعمل بنظام "الحدود المكانية" يساعد الانسان على التعامل بمرونة مع هذه اللحظات العابرة من النسيان.
واوضحت الملاحظات ان تقليل الانشغال الذهني اثناء التنقل يمنح الذاكرة العاملة مساحة كافية للاحتفاظ بالهدف. واكدت ان هذه الظاهرة تعكس مدى تعقيد العمليات الادراكية التي يقوم بها الانسان دون وعي منه، حيث يسعى الدماغ دائما لتوفير طاقته عبر تصنيف المعلومات وتجزئتها حسب المواقف والاماكن.
