نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول إقليمي مطلع، لم تسمّه، أن السعودية تتعاون مع دول بينها إسرائيل لتحديد الدافع وراء طعن مساعد الطيار للطيار على متن رحلة فلاي دبي التي باتت حديث الساعة.
ونقلت عن مسؤول إقليمي آخر مجهول أن مسؤولين من الاستخبارات والأمن الإسرائيلي موجودون في السعودية للمساعدة في التحقيق، وأن إسرائيل طلبت تسلّم المشتبه به.
الاسوشيتد برس لم تفصح عن اسم المصدر ( الذي ارجح انه اسرائيلي) ولم تعرض تأكيداً سعودياً أو أسماء المحققين.
أما نتنياهو فقال أولاً إن إسرائيل ستتابع التحقيق و«ربما» تشارك فيه، ثم نقلت أسوشيتد برس عنه أن رئيس الإمارات وافق على مشاركة إسرائيل في استجواب المشتبه به.
ثم نشرت وكالة رويترز، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي مجهول، أن إسرائيل لا تحصل من السعوديين على كل المعلومات التي تطلبها.
في المقابل، هناك بيان إماراتي رسمي شكر السلطات السعودية على تعاونها، وأعلن تشكيل فريق تحقيق إماراتي، لكنه لم يذكر مشاركة محققين إسرائيليين. كما لم يظهر تأكيد سعودي لمشاركة محققين إسرائيليين أو لاستجوابهم مساعد الطيار.
وهناك بيان منقول عن المركز الوطني السعودي لسلامة النقل يعلن بدء تحقيق في سلامة الطيران والتنسيق مع الجهات المعنية وجمع الأدلة، من دون تسمية محققين إسرائيليين.
أما خبر وجودهم في السعودية فما زال مستنداً إلى مسؤول إقليمي مجهول نقلت عنه أسوشيتد برس؛ وأعيد نشر الخبر في وسائل أخرى.
فوق ذلك فان نتنياهو وفريقه مستمرون في استثمار الحادثة سياسيا وتأطيرها ايديولوجيا بما يلائم مصلحتهم، وقد انتقل نتنياهو في مقابلة جديدة مع برنامج Fox & Friends من وصف الحادثة بأنها «خطيرة» والتحفظ على تحديد الدافع، إلى القول: «نعلم أنه خضع لتلقين إسلامي متطرف». وزعم أن خلفيته تظهر ميولاً متطرفة، لكنه أضاف أنه لا يصل بعد إلى استنتاج نهائي، وأنه من المبكر تحديد ما إذا كانت له صلة بإيران أو بغيرها.
وفي التصريحات التي نقلتها عنه رويترز لم يقدم دليلاً يتيح التحقق من زعمه بشأن التلقين أو يحدد مصدر هذه المعلومات.
وهذا يعني ان الدافع ما زال غير محسوم تحقيقياً؛ ولكن نتنياهو وفريقه مصرون رغم ذلك على توظيف الحادثة لخدمة روايتهم!!
السؤال: ان صحت هذه التقارير فبأي صفة يشارك المحققون الاسرائيليون في التحقيقات؟
الدولتان المعنيتان اساسا بالتحقيق في هذه الواقعة الجنائية هما الامارات والسعودية، الاولى لان الجريمة وقعت على متن الطائرة FZ1073 التي اعلنت رسميا انها تحمل علمها ومسجلة فيها، كما اعلنت ان النيابة العامة قد باشرت التحقيق الجزائي بالفعل، والمعروف ان الطائرات في القانون الدولي تعد جزءا من اقليم الدولة المسجلة فيها والتي تحمل علمها، والثانية لان الطائرة هبطت فيها بعد وقوع الجريمة، فباتت سلطاتها معنية بالتحقيق مع المشتبه به المتحفظ عليه لديها و لان الجرم وتبعاته امتد الى اقليمها.
كما ان نظام الطيران المدني السعودي يوجب على السلطات السعودية اتخاذ الإجراءات وإجراء تحقيق فوري لتحديد ما إذا كانت الجريمة تدخل في اختصاص محاكمها. وإذا ثبت أن الفعل وقع في مجالها الجوي، أو تحقق أساس آخر للاختصاص بموجب اتفاقيات أمن الطيران، أمكنها المضي في الملاحقة والمحاكمة.
وتنص المادة 160 من نظام الطيران المدني السعودي، عند تسليم المتهم أو وجوده في المملكة، على اتخاذ الإجراءات القانونية، ومنها احتجازه للمدة اللازمة، وإجراء تحقيق فوري لمعرفة ما إذا كانت الجريمة تدخل في اختصاص القضاء السعودي، ثم محاكمته إذا ثبت الاختصاص. ويجيز النص إجراءات التسليم أو الإبعاد في الحالة التي لا تدخل فيها الجريمة في الاختصاص السعودي، وفق ضوابطها. وتجرّم المادة 154، ضمن أفعال أخرى، العنف ضد شخص على متن طائرة أثناء الطيران إذا كان من شأنه تعريض سلامة الطائرة للخطر.
وإذا وقع الاعتداء فوق الإقليم أو المجال الجوي السعودي، يضاف أساس الاختصاص الإقليمي. وإذا وقع خارجه، فقد توفر اتفاقيات مكافحة الجرائم ضد سلامة الطيران أساساً آخر.
لذلك لا يترتب على تسجيل الطائرة في الإمارات انتقال المشتبه به إليها تلقائياً، فالمسألة أعقد من ذلك، مع الاشارة الى أن المادة 57 من قانون الطيران المدني الاتحادي رقم 20 لسنة 1991 تشمل الجريمة على متن طائرة مسجلة في الإمارات، كما تشمل حالات أخرى، منها هبوط الطائرة في الدولة والجاني عليها أو وجوده فيها مع عدم تسليمه. والمادة 55 تشمل العنف الذي يحتمل تعريض الطائرة للخطر والاستيلاء عليها بشروطهما.
إسرائيل طبعا قد تدّعي اختصاصاً شخصيا وفق قانونها إذا ثبتت جريمة تمس إسرائيليين أو انطبقت اتفاقية دولية ذات صلة؛ لكن جنسية بعض الركاب أو وجهة الرحلة لا تمنحها حق التحقيق داخل السعودية أو استجواب المحتجز أو تسلّمه من تلقاء نفسها.
والأردن لا يكتسب اختصاصاً لمجرد مرور الطائرة في أجوائه؛ يلزم تحقق شروط قانون العقوبات، وفي مقدمتها تحديد موقع الفعل الجرمي ووقته وهل هناك اختصاص اقليمي للاردن ام لا.
أما عن الاتفاقيات الدولية بشأن امن الطيران الجنائي، فلننظر الى أهمها على النحو التالي:
• اتفاقية طوكيو 1963 تعطي دولة تسجيل الطائرة اختصاصاً بجرائم وأفعال تقع على متنها، وتنظم صلاحيات قائدها ودولة الهبوط في تسلم الشخص واتخاذ الإجراءات الأولية. وهي لا تجعل الطائرة «أرضاً حصرية» لدولة تسجيلها، ولا تلغي اختصاص دولة أخرى بموجب القانون والاتفاقيات. والدول الأربع في هذه الحادثة أطراف فيها.
• اتفاقية مونتريال 1971 لأمن الطيران تتناول، من بين أمور أخرى، العنف ضد شخص على متن طائرة في حالة طيران إذا كان من شأنه تعريض سلامتها للخطر. وهي تقرر أسساً للاختصاص تشمل التسجيل وهبوط الطائرة وعلى متنها الجاني المفترض، وتلزم الدولة التي يوجد لديها المشتبه به باتخاذ الإجراءات والتحقيق الأولي، ثم اتباع مسار المقاضاة أو التسليم وفق شروط الاتفاقية. والدول الأربع أطراف فيها.
• أما اتفاقية لاهاي 1970 بشأن الاستيلاء غير المشروع فتتطلب إثبات عناصر الاستيلاء أو السيطرة؛ فلا يكفي وقوع شجار داخل قمرة القيادة لتطبيقها تلقائياً.
• أما عن اتفاقية بكين 2010 فقد نفذت بحق دولة الإمارات العربية المتحدة منذ 1 يوليو/تموز 2025، وبحق المملكة العربية السعودية منذ 1 يونيو/حزيران 2026، لكنها ليست نافذة لإسرائيل والأردن وفق القوائم المنشورة لمنظمة الطيران المدني الدولية ( الايكاو). وهي توسع إطار جرائم أمن الطيران وأسس الاختصاص بين أطرافها.
• كذلك فإن بروتوكول مونتريال 2014 المعدِّل لاتفاقية طوكيو نافذ بحق كل من الامارات والأردن، بينما لا تظهر السعودية وإسرائيل ضمن أطرافه؛ لذلك لا يصح افتراض سريان أحكامه الموسعة بين الدول الأربع جميعاً.
وبالنسبة لاتفاقيات التسليم والتعاون فإنها على النحو التالي:
• توجد اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983 وهي تشمل السعودية والإمارات والأردن، وتشمل التعاون القضائي وتسليم المطلوبين بينهم وفق شروط وإجراءات، منها الطلب الرسمي وأسباب الرفض. إسرائيل طبعا ليست طرفاً فيها. وثمة تفصيل مهم: إذا سُلّم شخص من السعودية إلى الإمارات بموجب هذه الاتفاقية، فإن المادة 53 تقيد إعادة تسليمه إلى دولة ثالثة دون موافقة الدولة التي سلمته، مع مراعاة الاستثناء المنصوص عليه.
• وعند انضمام السعودية إلى اتفاقية بكين 2010 سجلت إعلاناً بأنها لا ترى في انضمامها، ضمن إطار تلك الاتفاقية، التزاماً بالتعاون مع دول لا تقيم معها علاقات دبلوماسية.
النتيجة: يمكن للسعودية والإمارات أن تحقق كل منهما استناداً إلى أساس مختلف؛ ويمكن لإسرائيل أن تطلب معلومات أو تعاوناً أو تسليماً إذا أقامت أساساً قانونياً، لكن قبول الطلب، وحدود الاطلاع على الأدلة أو مقابلة المشتبه به، قرارات تمر عبر السلطات السعودية المختصة ما دام الشخص والأدلة في حيازتها. والأردن يدخل الصورة إذا أثبتت الوقائع أساساً من الأسس التي يمكن ان تمنحه اختصاصا.
وأخيرا…
ما زلت لا افهم لماذا يصمت المسؤولون في السعودية والامارات، وهما الدولتان المعنيتان، بينما يواصل الاسرائيليون اطلاق التصريحات تلو التصريحات منذ اللحظة الاولى للحادث ويرسمون هم الاطار المعرفي الذهني للمتابعين في كل انحاء العالم؟!
