كتبت: د. رلى الحروب

كلما تكشفت تفاصيل جديدة عن حادثة رحلة فلاي دبي FZ1073، التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب قبل أن تهبط اضطرارياً في تبوك السعودية، تتراجع بعض الأسئلة لتحل محلها أسئلة أكبر.

لا أزعم أنني أعرف حقيقة ما جرى في قمرة القيادة، ولا أملك دليلاً يسمح لي بالجزم بأن الحادثة كانت عملية مدبرة أو إرهابية أو مجرد فعل فردي. بل إن هذا تحديداً هو جوهر المسألة: التحقيق لم يقل كلمته بعد، ومع ذلك بدأت رواية سياسية وأمنية وايديولوجية متكاملة تقريباً تتشكل أمام الجمهور منذ الساعات الأولى.

فمن يملك المعلومات؟ ومن يملك التحقيق؟ ومن يملك، في المقابل، رواية الحادثة أمام العالم؟

من الرواية المتضاربة إلى الأسئلة

المؤكد أن الرحلة FZ1073 غادرت دبي متجهة إلى مطار بن غوريون، وأن حادثاً خطيراً وقع في قمرة القيادة، وأن الطائرة فقدت ارتفاعاً بصورة حادة، وأطلقت إشارات طوارئ، بينها الرمز 7500 المستخدم للدلالة على «تدخل غير مشروع»، ثم دخلت لفترة وجيزة المجال الجوي الأردني قبل أن تستدير عائدة باتجاه السعودية وتهبط في تبوك.

والمؤكد أيضاً أن قائد الطائرة أصيب بجروح، وأن ركاباً وأفراداً من الطاقم تدخلوا، وأن أشخاصاً مؤهلين للطيران كانوا على متن الرحلة وتمكنوا من السيطرة على الطائرة والهبوط بها.

لكن ما أحاط بهذه الوقائع من تفاصيل كان أقل وضوحاً بكثير.

في الساعات الأولى تناقضت الأخبار حول جنسية الطيار ومساعده، وعدد الركاب وصفاتهم، وهوية الأشخاص الذين تولوا قيادة الطائرة بعد الحادثة، بل وحتى حول التسلسل الدقيق لما جرى داخل قمرة القيادة.

لاحقاً تأكدت هوية قائد الطائرة المصاب من مصدر هندي وليس من الشركة، وهو الكابتن الهندي سميت ماتشار، بينما نُسبت إلى مصادر إسرائيلية معلومات تقول إن مساعده عماني الجنسية.

وهنا يظهر أول سؤال كبير:

لماذا تركت فلاي دبي مصادر أخرى، وبينها مصادر إسرائيلية، تملأ هذا الفراغ المعلوماتي؟

ماذا قالت فلاي دبي.. وماذا لم تقل؟

الشركة أكدت وقوع «حادث» أثناء الرحلة، وهبوط الطائرة بسلام في تبوك، وسلامة الركاب، وتعاونها مع السلطات المختصة. ثم دعت لاحقاً إلى عدم استباق التحقيق والتكهن بالدوافع.

وهذا موقف سليم من حيث المبدأ.

لكن عدم استباق الدافع شيء، وتقديم المعلومات التشغيلية الأساسية شيء آخر.

فالشركة تستطيع، دون أن تتدخل في التحقيق الجنائي، أن توضح تكوين الطاقم، وصفة أفراد الطاقم الآخرين الموجودين على متن الرحلة، ومن تولى قيادة الطائرة بعد إصابة الطيارين، ولماذا كانوا على متنها، وما هو التسلسل التشغيلي لتوليهم القيادة.

كما تستطيع أن تشرح، متى سمحت التحقيقات بذلك، لماذا عادت الطائرة إلى تبوك بعدما كانت قد دخلت لفترة وجيزة المجال الجوي الأردني.

ولا يحسم إعلان أسماء الأشخاص وصفاتهم، بطبيعة الحال، ما إذا كانت الواقعة شجاراً أو اعتداءً متعمداً أو محاولة لإسقاط الطائرة. ذلك تحسمه تسجيلات قمرة القيادة وبيانات الطيران والأدلة المادية وإفادات الشهود والتحقيق الجنائي.

لكن نقص المعلومات الرسمية يخلق فراغاً، والفراغ لا ينتظر طويلاً في حادثة بهذا الحجم، فلا بد من رواية تملؤه.

وقد ملأ الإسرائيليون الجانب الأكبر منه.

إسرائيل تتحدث قبل أصحاب التحقيق

منذ اللحظات الأولى تقريباً، كانت التصريحات الإسرائيلية الأسرع والأكثر تفصيلاً.

وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الواقعة، استناداً إلى «معلومات أولية»، بأنها محاولة «إرهاب جهادي». أما بنيامين نتنياهو فكان في البداية أكثر تحفظاً، فتحدث عن حادث أمني خطير وأبقى الدافع مفتوحاً.

لكن خطابه تطور سريعاً.

ففي تصريحات لاحقة قال نتنياهو إن المشتبه به خضع، بحسب المعلومات المتوافرة لديه، لـ«تلقين إسلامي متطرف»، مع إقراره في الوقت نفسه بأن الوقت ما يزال مبكراً للوصول إلى استنتاج نهائي بشأن الدافع أو وجود ارتباط بإيران أو غيرها.

وهنا تكمن المفارقة:

إذا كان التحقيق لم يحسم الدافع بعد، فمن أين جاءت الرواية الأيديولوجية بهذه السرعة؟

قد تثبت التحقيقات في النهاية صحتها، وقد تثبت بعض عناصرها دون غيرها. وقد تكشف رواية مختلفة.

ولكن وظيفة التحقيق هي أن يقود الدليل إلى الاستنتاج، لا أن يسبق الاستنتاج الدليل.

حادثة في توقيت سياسي بالغ الحساسية

لا يمكن قراءة الأثر السياسي للحادثة بمعزل عن توقيتها، من دون أن يعني ذلك افتراض أنها صُنعت لهذا الغرض أو يستثنيه.

قبلها بستة أيام كان نتنياهو قد ألقى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط مقاطعة واسعة من الوفود وعزلة دولية هي الأقسى في تاريخ الكيان، وقبل الحادثة بثلاثة ايام زار نتنياهو الامارات والتقى محمد بن زايد برفقة رئيس الموساد وقيادات أمنية اخرى. وقبل الحادثة بيوم كان نتنياهو يحذر من احتمال تعرض إسرائيل لهجوم قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.

ثم وقعت حادثة طائرة فلاي دبي التي تقل في معظمها ركاباً إسرائيليين متجهين إلى مطار بن غوريون في تل أبيب.

موضوعياً، تمنح الحادثة نتنياهو فرصة سياسية وإعلامية واضحة: فهي تعيد «الإرهاب الإسلامي» إلى قلب الخطاب الأمني، وتسمح له بتقديم إسرائيل مجدداً باعتبارها هدفاً للإرهاب، وتمنحه منصة للظهور بموقع القائد الذي يتابع أمن الإسرائيليين في الخارج.

لكن الاستفادة السياسية من حدث أو توظيفه لا تثبت بالضرورة صناعة الحدث، وإن كان يمكنها ان تثير الشبهات حوله. ما تثبته فعلا هو قدرة الكيان اللا متناهية على توظيف الاحداث لخدمته وخدمة روايته في ظل غياب الرواية الاخرى او ضعفها او عدم وجودها أحيانا.

وهذه نقطة أساسية يمكن إثارتها حول الكثير من الأحداث كالسابع من اكتوبر 2023 والحادي عشر من سبتمبر 2001، وغيرها الكثير.

ما يمكن قوله الآن هو أن نتنياهو وحكومته سارعا إلى استثمار الواقعة وتأطيرها أمنياً وأيديولوجياً قبل اكتمال التحقيق. 

وهنا تصبح الأسئلة التالية أكثر أهمية.

من يحقق في الجريمة أصلاً؟

الإمارات أعلنت أن الطائرة مسجلة لديها، كما أعلنت النيابة العامة الإماراتية فتح تحقيق جنائي في الحادثة وتشكيل فريق لجمع المعلومات والأدلة وتحديد الظروف والدوافع، بما فيها احتمال وجود نشاط إرهابي أو تخطيط مسبق.

وفي المقابل، هبطت الطائرة في مطار تبوك في السعودية، والمشتبه به والأدلة والطائرة باتت في حيازة السلطات السعودية.

وبموجب قواعد القانون الدولي للطيران والتشريعات الوطنية ذات الصلة، فإن الدولتين تملكان أسساً مهمة للاختصاص.

فاتفاقية طوكيو لعام 1963 تقر باختصاص دولة تسجيل الطائرة، مع صلاحيات لدولة الهبوط، بينما تتناول اتفاقية مونتريال لعام 1971 أعمال العنف على متن الطائرة عندما تكون من شأنها تعريض سلامتها للخطر، وتقرر أسساً متعددة للاختصاص وإجراءات تتعلق بالدولة التي يوجد المشتبه به على إقليمها.

أما إذا ثبت أن الاعتداء وقع فوق إقليم دولة بعينها، فقد ينشأ كذلك أساس للاختصاص الإقليمي وفق قانون تلك الدولة.

ولهذا فإن تحديد المكان واللحظة اللذين بدأ فيهما الفعل الجرمي ليس تفصيلاً ثانوياً.

وماذا يفعل المحققون الإسرائيليون؟

هنا تظهر واحدة من أكثر نقاط القضية إثارة للاهتمام.

نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول إقليمي لم تسمّه أن مسؤولين في الاستخبارات والأمن الإسرائيلي موجودون في السعودية للمساعدة في التحقيق، كما تحدثت تقارير عن طلب إسرائيلي لتسلم المشتبه به.

لكن، حتى الآن، لا يكفي هذا وحده لإثبات طبيعة مشاركتهم أو نطاقها.

الإمارات أعلنت رسمياً تشكيل فريق تحقيق. والجهات السعودية أعلنت بدء إجراءات التحقيق وجمع الأدلة. أما الحديث عن مشاركة محققين إسرائيليين داخل السعودية فظل، في المعلومات المنشورة، مستنداً إلى مصادر غير مسماة وتصريحات إسرائيلية أكثر مما استند إلى إعلان سعودي واضح يحدد طبيعة هذه المشاركة وحدودها.

وهذا يقود إلى سؤال قانوني وسياسي مشروع:

إذا كان محققون إسرائيليون يشاركون بالفعل، فبأي صفة قانونية، وتحت سلطة أي جهة، وما حدود اطلاعهم على المشتبه به والأدلة؟

إسرائيل قد تدعي اختصاصاً وفق قانونها إذا ثبت أن الجريمة استهدفت مواطنيها أو تحققت شروط أخرى للاختصاص. ويمكنها أن تطلب معلومات أو تعاوناً أو تسليم شخص.

لكن وجود ركاب إسرائيليين على متن الطائرة أو كون وجهتها تل أبيب لا يمنح السلطات الإسرائيلية تلقائياً حق التحقيق داخل الأراضي السعودية أو استجواب شخص محتجز لدى السلطات السعودية.

هذه أمور تحتاج إلى موافقة وترتيبات قانونية من الدولة صاحبة الإقليم.

والسؤال الأردني

بيانات تتبع الرحلة المنشورة تظهر أن الطائرة دخلت لفترة وجيزة المجال الجوي الأردني قبل أن تستدير نحو تبوك.

لكن مجرد مرور الطائرة في المجال الجوي الأردني لا يكفي وحده للقول إن القضاء الأردني مختص بالجريمة.

السؤال الحاسم هو: أين وقع فعل الطعن ومحاولة السيطرة المزعومة على الطائرة تحديداً؟

إذا أثبتت بيانات الطيران وتسجيلات قمرة القيادة والتوقيتات أن الفعل الجرمي أو جزءاً منه وقع أثناء وجود الطائرة داخل المجال الجوي الأردني، فقد يصبح البحث في قواعد الاختصاص الإقليمي الأردنية ضرورياً.

أما إذا وقع الفعل قبل دخول الأجواء الأردنية، فإن مجرد عبور الطائرة لاحقاً لا ينشئ بالضرورة الاختصاص نفسه.

وهذا سبب إضافي يجعل بيانات الرحلة والتسجيلات الدقيقة أهم من الروايات الإعلامية.

السؤال الأكبر: لماذا هذا الصمت؟

في هذه القضية مشهد لافت للغاية.

الطائرة إماراتية التسجيل وترفع علم الامارات.

هبطت في السعودية.

المشتبه به في قبضة السلطات السعودية.

الإمارات أعلنت تحقيقاً جنائياً.

السعودية تملك الطائرة والأدلة المادية الأساسية في أعقاب الهبوط.

ومع ذلك، فإن الطرف الأكثر حضوراً في الفضاء الإعلامي منذ اللحظة الأولى كان إسرائيل.

تصريحات إسرائيلية عن عدد الركاب.

تصريحات إسرائيلية عن هوية المشتبه به.

تصريحات إسرائيلية عن الدافع.

تصريحات إسرائيلية عن محاولة إسقاط الطائرة.

تصريحات إسرائيلية عن الركاب الذين تدخلوا.

وتصريحات إسرائيلية عن التحقيق نفسه.

بينما بقيت المعلومات الرسمية السعودية والإماراتية أكثر تحفظاً.

وقد يكون لهذا التحفظ تفسير مشروع تماماً: حماية التحقيق، وعدم كشف الأدلة، وعدم استباق النتائج.

لكن له ثمناً أيضاً.

حين يصمت أصحاب التحقيق، يملك الأكثر كلاماً فرصة أن يصبح صاحب الرواية.

وهذا ربما هو أخطر ما في القضية حتى الآن.

فالقضية لم تعد فقط: ماذا جرى داخل قمرة قيادة FZ1073؟

بل أصبحت أيضاً:

من يملك المعلومات؟

من يحقق؟

من يقرر الدافع؟

ومن يرسم للجمهور صورة الحادثة قبل أن تظهر تسجيلات قمرة القيادة، وبيانات الرحلة، والأدلة الجنائية، وإفادات الشهود؟

والسؤال الاكثر إلحاحا: لماذا يصمت المسؤولون العرب في حادثة خطيرة، ويغرد المسؤولون الإسرائيليون صباح مساء؟!!

لا أعرف حتى الآن ماذا سيقول التحقيق.

وقد يثبت في النهاية الرواية الإسرائيلية ، أو جزءاً منها، أو يكشف شيئاً مختلفاً تماماً.

لكنني أعرف شيئاً واحداً:

لدينا اليوم رواية تسبق التحقيق، وتصريحات تسبق الأدلة، وأسئلة أساسية لم تحصل بعد على إجابات علنية كافية.

ولذلك فإن الموقف الأكثر عقلانية ليس تصديق الرواية الإسرائيلية أو أي رواية غير مدعمة بالادلة مسبقاً.

المطلوب ببساطة هو ألا نسمح لأحد بأن يكتب خاتمة القصة قبل أن نقرأ ملف التحقيق.

ففي حادثة فلاي دبي، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية الآن: ماذا حدث؟

بل: من يريدنا أن نعتقد أننا نعرف بالفعل ماذا حدث؟