تتجلى ارادة الانسان الفلسطيني في قطاع غزة حين تتحول ابسط تفاصيل الحياة اليومية الى معركة بقاء، حيث يبتكر المواطنون حلولا من لا شيء لمواجهة ظروف الندرة القاسية التي فرضها الحصار. وسط هذا المشهد، برزت فكرة تحويل قطع الشوادر المهترئة وبقايا خيام النازحين الى حقائب عملية تستخدم لحفظ الملابس والاغراض الشخصية، في محاولة لسد الفجوة الكبيرة التي خلفتها ندرة البضائع في الاسواق.
واختار الخياط معين شحبير، الذي يعمل في ورشته بمدينة غزة، ان يواجه المستحيل من خلال اعادة تدوير هذه الاقمشة التي كانت مخصصة للوقاية من الحر والمطر. واوضح شحبير ان مهنته لم تعد مجرد خياطة تقليدية، بل اصبحت وسيلة لصناعة الحياة من مواد كانت في طريقها للقمامة، مؤكدا ان الهدف الاساسي هو توفير بديل عملي للعائلات النازحة التي لا تملك القدرة على شراء الحقائب باهظة الثمن.
وبين شحبير ان عملية التصنيع تمر بمراحل دقيقة تبدأ بفرز قطع القماش وتنظيفها بعناية، ثم فحص متانتها وقصها وفق مقاسات محددة لتصبح منتجا مفيدا. واضاف ان العمل يواجه تحديات تقنية صعبة، ابرزها نقص ابر الخياطة وبكرات الخيطان، فضلا عن انقطاع التيار الكهربائي المستمر الذي يضطره للاعتماد على مولدات طاقة بديلة غير متوفرة بشكل دائم.
خيوط الامل في مواجهة الحصار
واكد شحبير ان الابتكار تحت الضغط هو السبيل الوحيد لاستمرار الحياة في ظل غياب المواد الخام وقيود الدخول المشددة على القطاع. وشدد على ان هذه الحقائب اصبحت ضرورة منزلية ملحة، حيث يعتمد عليها النازحون في ترتيب امتعتهم وحمايتها من الغبار والعواصف الترابية التي تقتحم الخيام باستمرار.
وكشفت الحاجة صافية عاشور، احدى المستفيدات من هذه المبادرات، ان هذه الحقائب منحتها شعورا بسيطا باستعادة كرامة العيش في خيمتها. واضافت ان ملابس عائلتها كانت ملقاة في اكياس بلاستيكية عرضة للتلف، لكنها الان اصبحت مرتبة داخل هذه الحقائب التي تمثل بالنسبة لها ثروة حقيقية في ظل فقدان كل شيء.
واظهرت هذه التجربة كيف ينسج سكان غزة الامل من بقايا الخيام، حيث يرى الخبراء ان هذه المبادرات تشكل جزءا مما يمكن تسميته باقتصاد النزوح. واوضح الخبير الاقتصادي سعيد ابو مدللة ان هذه الاعمال تعكس قدرة المجتمع على تنظيم موارده المحدودة لخلق فرص دخل ذاتي، رغم انها تظل حلولا اضطرارية لا تغني عن الحاجة لادخال مواد خام اساسية.
الابعاد النفسية للابتكار
وبينت الاخصائية النفسية نور خالد ان تحويل المهملات الى ادوات نافعة يحمل دلالات عميقة على الصمود النفسي. واضافت ان هذه الحقائب ليست مجرد اوعية للحفظ، بل هي تجسيد لقدرة الانسان على سلب الازمة هيمنتها وتحويل الألم إلى فعل ايجابي يعزز من تماسك المجتمع في اصعب الظروف.
واكدت خالد ان هذه الممارسات تعزز الشعور بالفاعلية والتعاون بين النازحين، حيث يرى الناس في كل قطعة يتم اصلاحها انتصارا صغيرا على واقع الحصار المرير. واضافت ان الابتكار هنا هو اداة دفاعية تمكن الناس من ترتيب حياتهم وسط فوضى النزوح المستمرة.
وكشفت الارقام الاخيرة عن واقع اقتصادي شديد الصعوبة في غزة، حيث تجاوزت معدلات الفقر حاجز 90%، بينما سجلت البطالة مستويات قياسية تخطت 85%. وبينت التقارير ان الانكماش الحاد في الناتج المحلي والقيود المفروضة على دخول المساعدات جعلت من هذه المبادرات الفردية شريان حياة لا غنى عنه للكثير من العائلات التي تكافح للبقاء.
