روان صفيرة : 

الشريط الإخباري 

في أعقاب الحادثة الإرهابية التي شهدتها محافظة الكرك، تبرز أهمية التعامل مع هذه الجريمة ليس من زاوية إدانتها ومحاسبة مرتكبيها فحسب، بل أيضًا من خلال دراسة العوامل الفكرية والاجتماعية والنفسية والتربوية التي قد تقود إلى التطرف، وصولًا إلى فهم أعمق للأسباب التي تدفع بعض الأفراد إلى تبنّي أفكار متشددة والانخراط في أعمال إرهابية تهدد أمن المجتمع واستقراره.

ومن هذا المنطلق، تبرز فكرة إجراء مقابلة إعلامية مسجلة مع المتورطين، بعد انتهاء التحقيقات الرسمية واستكمال الإجراءات القانونية، وبما لا يتعارض مع مقتضيات العدالة وسير المحاكمة، بهدف الوقوف على مسارات حياتهم، والبيئات التي نشؤوا فيها، ومستوياتهم التعليمية، والأفكار التي تبنّوها، والمعتقدات التي استندوا إليها، والمرجعيات التي تأثروا بها، والقدوات التي شكّلت وعيهم، والعوامل التي أسهمت في دفعهم نحو هذا المسار الخطير.

إن الغاية من هذه الخطوة لا تتمثل في منح المجرمين منبرًا لتبرير جرائمهم أو الترويج لأفكارهم المتطرفة، وإنما في إخضاع رواياتهم للفحص والتحليل من قبل مختصين في علم الاجتماع وعلم النفس والفكر الديني والتربية والأمن، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في تطوير السياسات الوقائية وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة التطرف قبل تحوّله إلى سلوك إجرامي.

فمواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها وضرورتها، بل تتطلب أيضًا فهم البيئة الفكرية والاجتماعية التي تسمح بنمو التطرف، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والمؤسسات الإعلامية والثقافية في ترسيخ قيم الاعتدال والانتماء الوطني وقبول الآخر، إلى جانب التصدي لخطاب الكراهية والتضليل والاستقطاب، ولا سيما عبر المنصات الرقمية.

كما أن دراسة هذه الحالات بصورة علمية ومسؤولة قد تساعد صنّاع القرار على تحديد الثغرات في برامج التوعية والوقاية، وتطوير أدوات أكثر فاعلية لاكتشاف مؤشرات التطرف مبكرًا، وحماية الشباب من الاستقطاب والتجنيد، وبناء خطاب توعوي يستند إلى المعرفة والأدلة، بعيدًا عن التعميم أو الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة.

ومن المهم أن تُقدَّم أي مقابلات من هذا النوع ضمن إطار مهني منضبط، يحفظ حقوق الضحايا وكرامتهم، ويتجنب الإثارة الإعلامية، ولا يمنح المتطرفين فرصة لاستعراض أفكارهم أو استقطاب متعاطفين معهم، مع التحقق من المعلومات الواردة وعدم التعامل مع أقوال المتهمين بوصفها حقائق نهائية، بل إخضاعها للتحليل والمقارنة مع نتائج التحقيقات والدراسات المتخصصة.

إن الوصول إلى حلول مستدامة لمواجهة الإرهاب يبدأ من الجمع بين الحزم في تطبيق القانون، والبحث العلمي في جذور التطرف، والتوعية المجتمعية، وتطوير السياسات التعليمية والفكرية والإعلامية. فكلما تعمّق فهمنا للأسباب التي تقود إلى التطرف، ازدادت قدرتنا على معالجة جذوره والحد من انتشاره، وحماية الأجيال القادمة من الوقوع في براثنه.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل المجتمع وصنّاع القرار ليس فقط: كيف نواجه الإرهاب بعد وقوعه؟ بل أيضًا: كيف نفهم الطريق الذي يقود إليه، وكيف نمنع تكراره قبل فوات الأوان؟