… حين يتخفّى الشر في هيئة الحب

الحكايات التي تبدأ بالحب ليس بالضرورة أن تنتهي به، وليست كل القلوب التي تنبض بالشوق تعرف معنى المحبة. ففي رواية «مامبا سوداء»، ينسج أسامة رقيعة عالمًا تختلط فيه الرغبة بالوهم، والحب بالامتلاك، والفساد بالشهوة، ليضع الإنسان أمام نفسه، ويكشف ما قد تخفيه الكلمات الجميلة من رغبات ومصالح، وما يمكن أن يرتكبه الإنسان حين يظن أن امتلاك الآخر صورة من صور الحب.

في قلب هذه الحكاية يقف مقصود رجب، رجل لا تهزمه قوة خصمه بقدر ما يستنزفه فقدان القدرة على الاختيار. تتسلل ملعوبة إلى حياته، لا لتشاركه الحب، بل لتستحوذ عليه، مستعينة بأوهام جايكا وسحره الأسود. وهنا تتجاوز الرواية حدود الخيانة العاطفية إلى سؤال أكثر عمقًا: هل يبقى الحب حبًا حين يقوم على الإخضاع ومصادرة إرادة الآخر؟ فما يتعرض له مقصود ليس مجرد انكسار رجل أمام امرأة، بل اغتراب إنسان عن ذاته، حتى يجد نفسه أسير حياة لا تشبهه، وعاطفة لا يشعر بأنها تخصه.

وفي المقابل، تقف سامية إبراهيم بما تمثله من صفاء روحي ووعي يتجاوز المظاهر. فهي ليست مجرد حبيبة غائبة عن حياة مقصود، بل تمثل فهمًا آخر للحب؛ حبًا يقوم على الحرية لا الاستحواذ، وعلى المعرفة والمسؤولية، وعلى جمال لا ينفصل عن الأخلاق. ومن خلال التباين بين سامية وملعوبة، تضع الرواية المحبة والامتلاك في مواجهة واضحة؛ فالأولى تمنح الإنسان مساحة أوسع للحياة، بينما يحصره الثاني في رغبات الآخر ومصالحه.

أما جايكا ومايكا، فيكشفان جانبًا آخر من الصراع؛ فالأول ينجرف وراء الشهوات، والثاني وراء الثروات، وكلاهما يكتشف، بطريقته، أن الانغماس في الملذات والأطماع لا يمنح الإنسان الحرية التي يتوهمها. وتأتي مملكة الجن، بمحاكمها وقوانينها واختلاف زمنها عن عالم البشر، لتمنح الرواية بعدًا يتجاوز الخيال الغرائبي، وتفتح المجال للتساؤل عن العدالة والفساد، وعن الحدود الفاصلة بين الطموح المشروع والطمع، وبين الحرية والتخلي عن المسؤولية.

ولا تتوقف الرواية عند مصائر شخصياتها، بل تمتد إلى أحوال المجتمع. فالصفقات الوهمية، والتلاعب بالمشروعات، والفساد الذي يتسلل إلى المؤسسات، ليست أحداثًا منفصلة عن الحكاية، وإنما ترتبط بالخلل الأخلاقي الذي يحكم بعض العلاقات الإنسانية حين تصبح المصلحة غاية في ذاتها. فالرغبة في إخضاع إنسان وسلب إرادته لا تختلف كثيرًا عن الطمع الذي يسلب الآخرين حقوقهم؛ إذ يتحول الإنسان في الحالتين إلى وسيلة لتحقيق منفعة، وتغيب قيم الكرامة والحرية.

وتطرح الرواية، من خلال مسار جايكا ومايكا، تساؤلات تتصل بمعنى الموت والحياة. فالموت هنا لا يقتصر على انطفاء الجسد أو الانتقال من عالم إلى آخر، بل يمكن أن يكون حالة يعيشها الإنسان حين ينغلق على ذاته، وينقطع عن الخير، ويستسلم لشهواته ومصالحه. وفي المقابل، تبدو النجاة مرتبطة باستعادة الإنسان لذاته، ومواجهة الحقيقة، والقدرة على تجاوز أنانيته.

وحين نصل إلى مقصود في أستراليا، جالسًا عند نهاية الممشى الأخضر، نجد أن الرواية لا تنتهي بإجابة حاسمة، بل تترك أسئلة الحب والذاكرة والأمل مفتوحة. يظهر طائر القيثارة بصوته الذي يحاكي المطر، ثم يعود نحو الشجرة السامقة، في مشهد يجمع الدهشة والحنين. وكأن مقصود، رغم استعادته حريته، لا يزال يبحث عن شيء ينقصه، عن سامية، وربما عن الحب الذي لم يتمكن من بلوغه. وتبقى الشجرة والطائر صورتين تحتملان أكثر من معنى؛ فالشجرة توحي بالثبات والاستمرار، والطائر بالرغبة في الانطلاق والبحث عن فضاء أرحب.

إن «مامبا سوداء» ليست مجرد حكاية عن الشر وانتصاره أو هزيمته، بل رواية تحاول الاقتراب من الأسباب التي تجعل الشر يتسلل إلى حياة الإنسان، ومن تلك المسافة الدقيقة بين الحب والرغبة في الامتلاك، وبين الحرية والأنانية، وبين القوة والطغيان. ومن خلال ما تمر به الشخصيات من تجارب وتحولات، تطرح الرواية سؤالًا عن قيمة الإنسان، بعيدًا عما يملكه أو يستطيع السيطرة عليه، وقريبًا مما يحتفظ به من إنسانية.

ولعل أخطر ما يفعله الشر ، قلب المفاهيم لدى الإنسان وخلق المبررات لفهومات جديدة،  فيجعله يعتقد أن الاستحواذ حب، وأن الأنانية حرية، وأن إخضاع الآخر انتصار. ومن هنا تبدو النجاة الحقيقية في قدرة الإنسان على استعادة نفسه، قبل أن يفقد القدرة على التمييز بين الحب وما يشبهه.

 فاتن أبو زايد 

روائية أردنية