شهدت الاسواق البرازيلية حالة من التخبط المالي الحاد فور اعلان فوز لويس ايناسيو لولا دا سيلفا بفترة رئاسية جديدة، حيث سجل الريال البرازيلي تراجعا ملحوظا امام الدولار الامريكي بالتوازي مع هبوط حاد في العقود الاجلة للاسهم. واظهر المستثمرون مخاوفهم من غياب التوجه نحو سياسة مالية اكثر صرامة، مما دفع البورصة لتفعيل اليات وقف التداول المؤقت كاجراء احترازي للحد من نزيف الخسائر في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي.

واضاف المحللون ان حالة القلق تضاعفت بسبب الغموض الذي يكتنف هوية وزير المالية القادم، ومدى قدرة الادارة الجديدة على كبح جماح الدين العام المتزايد. وبينت المؤشرات ان الاسواق كانت تراهن على سياسات اكثر ميلا لليمين، مما جعل فوز لولا صدمة غير متوقعة للمتعاملين الذين يسعون لضمانات حول ضبط الانفاق الحكومي في المرحلة المقبلة.

واكد الخبراء ان الاقتصاد البرازيلي يئن تحت وطاة تحديات متداخلة، حيث يرتفع الدين وتكاليف الاقتراض بشكل مقلق، بينما يظل التضخم بعيدا عن النطاق المستهدف للبنك المركزي. واشار تقرير صدر حديثا الى ان عجز الحساب الحالي اتسع الى مستويات كبيرة رغم التدفقات الايجابية للاستثمار الاجنبي المباشر.

موجة بيع تضرب الاسواق المالية

وكشفت بيانات التداول عن تراجع الريال بنسبة وصلت الى 12 في المائة مقابل الدولار الامريكي، بينما انهارت العقود الاجلة لمؤشر بوفيسبا بنحو 15 في المائة في بداية التعاملات. واوضحت الارقام ان السندات البرازيلية الدولية، وخاصة طويلة الاجل منها، تعرضت لضغوط بيعية مكثفة ادت الى تراجع قيمتها بشكل ملموس في السوق العالمية.

وذكرت الخزانة الوطنية انها اتخذت قرارا بالغاء مزادات السندات الحكومية المرتبطة بالتضخم ذات العائد الثابت التي كانت مقررة سابقا. واوضحت ان هذا الاجراء ياتي في اطار مراقبة دقيقة لاوضاع السوق لضمان استقرار التداول وتجنب مزيد من التقلبات العنيفة التي قد تضر بالاقتصاد الكلي.

وبينت الارقام ان الاسهم البرازيلية كانت قد حققت مكاسب كبيرة قبيل الجولة الثانية من الانتخابات، مدفوعة بتوقعات بان يؤدي صعود تيار يميني الى سياسات اقتصادية اكثر تشددا. واضافت ان التفاؤل الذي ساد الاسواق في وقت سابق قد تبدد سريعا مع ظهور نتائج الانتخابات التي قلبت موازين التوقعات الاستثمارية.

ترقب وزير المالية وتوجهات الانفاق

وقالت المؤسسات المالية الكبرى ان الانظار تتجه الان نحو اختيار الشخصية التي ستتولى حقيبة المالية، باعتباره مؤشرا حاسما لتوجهات الحكومة الجديدة. واكدت ان الاسواق ستظل تحت ضغط مستمر حتى يتم الاعلان عن خطة مالية واضحة وموثوقة تتضمن مسارا حقيقيا لخفض الانفاق وتثبيت الدين العام.

واضاف محللون في بنوك استثمارية عالمية ان غياب التزامات واضحة من فريق لولا خلال الاسابيع القادمة قد يدفع المستثمرين لتسعير مخاطر مالية اكبر. واشاروا الى ان التوقعات تشير الى تحركات مضطربة في الاصول البرازيلية، مع احتمالية اتساع هوامش العائد على السندات السيادية نتيجة انعدام اليقين.

وبينت تقارير اقتصادية ان البنوك خفضت نظرتها تجاه العملة المحلية والسندات الحكومية من وضع زيادة الوزن الى الوضع المحايد. واوضحت ان القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الداخلي هي الاكثر عرضة للضرر، بينما قد تجد الشركات المصدرة بعض المزايا في ضعف العملة الذي يرفع تنافسيتها خارجيا.

التضخم والديون قيود على النمو

وكشفت البيانات ان الدين العام البرازيلي تجاوز 82 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي، مما يحد من خيارات الحكومة في التوسع الانفاقي. واوضحت ان سنوات من ارتفاع الانفاق الالزامي جعلت الجزء الاكبر من الموازنة غير قابل للتعديل، وهو ما يضع الادارة الجديدة امام خيارات صعبة للغاية.

واكد فريق لولا التزامه بقواعد الموازنة الحالية، لكنه اشار في الوقت ذاته الى نية زيادة الحد الادنى للاجور وتوسيع المساعدات الاجتماعية. وبين المراقبون ان التوفيق بين هذه التعهدات وبين مستهدفات الفائض المالي سيمثل معضلة حقيقية ستحدد مدى ثقة المقرضين الدوليين في الاقتصاد البرازيلي.

واشار خبراء الى ان ارتفاع اسعار الفائدة يضغط بشدة على ملايين البرازيليين والشركات المتعثرة في سداد ديونها. واضافوا ان اي حلول لا تتضمن معالجة جذور الازمة المالية ستكون مجرد مسكنات مؤقتة لن تمنع الاقتصاد من الوقوع في فخ التضخم المزمن والنمو المتباطئ.