في ظل واقع كارثي يلف قطاع غزة، تقف عمارة حماد في حي الصبرة جنوب القطاع كشاهد على مأساة حقيقية، حيث يصر سكانها على البقاء رغم تصنيف المبنى كمنشأة خطرة توشك على الانهيار في أي لحظة. وتظهر حبال الغسيل المعلقة في الشرفات المائلة صورة من حياة قسرية يجبر فيها الناس على تحدي الموت، مفضلين المخاطرة تحت سقف متصدع على العودة إلى ذل الخيام التي جربوا مرارتها لأكثر من عام.

واوضحت حنان حماد، المعروفة بـ ام ياسر، ان عائلتها المكونة من 15 فردا تعيش في هذه الشقة المائلة رغم التحذيرات المتكررة بضرورة الاخلاء، مبينة انهم استدانوا مبالغ طائلة لشراء دعامات حديدية لمحاولة تثبيت المبنى المهترئ، وهو ما يعكس حالة من اليأس التي تدفع العائلات للتمسك بأي شيء يمنع انهيار ما تبقى من ذكرياتهم ومنازلهم.

وشددت ام ياسر على ان الخيار المتاح امامهم ليس سوى بين الموت تحت الانقاض او العيش في خيام تفتقر لادنى مقومات الكرامة، حيث اشارت الى معاناتهم السابقة مع الشمس والقوارض ومياه الصرف الصحي، مؤكدة ان الخوف من الشتاء القادم يضاعف من قلقهم خاصة مع ضعف البنية التحتية التي لا تقوى على مواجهة الامطار والرياح.

واقع النزوح المرير تحت الامطار

وبينما كان الجميع يراقب وضع العمارة المائل، كان الجار ابو اسماعيل حماد يفكك خيمته في مشهد يختصر معاناة الاف الفلسطينيين، موضحا ان هدفه هو نقلها الى منطقة اكثر ارتفاعا قبل ان تغرق في مياه الامطار القادمة، حيث فقد الرجل عائلته في مجزرة سابقة ويحاول الان حماية ما تبقى من حياته من الغرق في بقعة جغرافية ضاقت بكل ساكنيها.

واكد الدفاع المدني ان طواقمه تواصل تلقي نداءات الاستغاثة من عائلات عالقة في منازل متصدعة، مبينا انهم اضطروا في الايام الاخيرة لاخلاء العديد من الاسر التي كانت تقيم في مبان غير صالحة للسكن، مشددا على ان الحل لهذه الازمة يتجاوز مجرد الاخلاء الاحترازي في ظل غياب بدائل سكنية حقيقية للنازحين.

وكشفت معطيات وزارة الاشغال ان الحرب دمرت نحو 330 الف وحدة سكنية بشكل كامل، واضاف ناجي سرحان خبير البنية التحتية ان هناك 80 الف وحدة اخرى اصبحت غير صالحة للسكن، مبينا ان الحل الامثل يكمن في ادخال مواد البناء بدلا من الاعتماد على الخيام التي اصبح 54% منها باليا وغير صالح للاستخدام، مشيرا الى ان العجز الحالي يتجاوز 400 الف وحدة سكنية.

ازمة الايجارات وضيق المساحات

واضاف فضل عبد العال، الوسيط العقاري، ان سوق الايجارات في غزة شهد انهيارا اقتصاديا، موضحا ان الاسعار ارتفعت بنسب تراوحت بين 300% و800% نتيجة نقص العرض الهائل، مشيرا الى ان العائلات باتت عاجزة عن دفع هذه المبالغ الجنونية، مما اضطر الكثيرين للعودة الى منازلهم المدمرة او البحث عن شقق غير مكتملة التجهيز.

وبين عبد العال ان الناس يتكدسون في مساحة لا تتجاوز 110 كيلومترات مربعة، موضحا ان هذا التزاحم يفاقم من ازمة السكن ويجعل من الحصول على مأوى امرا اقرب للمستحيل، مؤكدا ان الكارثة مستمرة طالما بقيت الحلول مؤقتة ومجتزأة ولا ترقى لتأمين سكن لائق للنازحين.

واكدت التقارير ان 77% من سكان القطاع باتوا نازحين، مبينا ان البحث عن ارض جديدة لاقامة مخيمات اصبح مهمة معقدة نظرا لتقلص المساحات المتاحة، حيث يعيش الغزيون اليوم بين مطرقة الشقق المنهارة وسندان الخيام التي تفتقر للخدمات، في انتظار انفراجة تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار الحرب وتداعياتها المدمرة.