تتزايد مخاوف الاهالي في بلدة الزبابدة الواقعة جنوب شرق مدينة جنين شمال الضفة الغربية من استمرار ظاهرة الهجرة الجماعية التي بدات تنهش النسيج الاجتماعي للبلدة. وتكشف شهادات حية عن تحول الهجرة من مجرد فكرة عابرة الى قرار نهائي تتخذه عائلات باكملها بحثا عن الاستقرار والامان بعيدا عن ممارسات الاحتلال وضبابية المشهد السياسي والاقتصادي.

واوضحت رئيسة بلدية الزبابدة هالة سمعان داود ان وتيرة السفر تسارعت بشكل غير مسبوق في الاونة الاخيرة. واكدت ان الكثير من العائلات التي كانت تتمتع بوضع اقتصادي مستقر اصبحت اليوم في قائمة المغادرين نتيجة غياب الافق والشعور الدائم بالتهديد الذي تفرضه سياسات التضييق الاسرائيلية.

وبينت هالة ان البلدة التي تعد اكبر تجمع مسيحي في شمال الضفة الغربية تعاني من ضغوط متراكمة جعلت من خيار الهجرة الملاذ الوحيد امام الشباب الباحثين عن مستقبل اكثر استقرارا في الدول الاوروبية بعيدا عن شبح المداهمات والاقتحامات المتكررة.

ضبابية المستقبل وتلاشي الامان

وكشف المهندس وليام عبد الله وهو موظف في البلدية ان فكرة الهجرة باتت حديث المجالس الاول في الزبابدة. واضاف ان سهولة الوصول الى مكاتب متخصصة في طلبات اللجوء عبر منصات التواصل الاجتماعي جعلت من السفر خيارا متاحا ومغريا للكثيرين الذين فقدوا الثقة في تحسن الاوضاع المحلية.

واكد وليام ان الدافع الحقيقي للهجرة يتجاوز العوامل الاقتصادية ليشمل الخوف وفقدان الامان الشخصي. واشار الى ان اعتقال الاحتلال لعدد من ابناء البلدة مؤخرا زاد من حدة القلق وساهم في دفع المزيد من العائلات لاتخاذ قرار الرحيل النهائي.

واظهرت المتابعات الميدانية ان نسبة كبيرة من شباب البلدة يجدون انفسهم اليوم امام خيارات محدودة جدا في ظل تدهور الوضع الامني الذي تفاقم بعد العمليات العسكرية الاسرائيلية الواسعة في منطقة جنين منذ مطلع العام الماضي.

الاستيطان وتفريغ الارض من سكانها

وذكرت رئيسة البلدية ان بناء المستوطنات المحيطة بالزبابدة وتجول المستوطنين المسلحين في شوارع البلدة خلق واقعا لا يطاق. واضافت ان الاحتلال يمارس ضغوطا يومية من خلال الاقتحامات والاعتداءات على الممتلكات مما يرسخ قناعة لدى الاهالي بان البقاء اصبح محفوفا بالمخاطر.

واوضحت ان الاحصائيات تشير الى تراجع مستمر في اعداد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس وغزة. وبينت ان تسهيلات الهجرة التي تقدمها بعض الجهات الدولية للعائلات المسيحية تساهم بشكل غير مباشر في تفريغ المنطقة من وجودها التاريخي وهو ما يخدم اجندات الاحتلال في السيطرة على الارض.

وشددت على ان هذه الهجرة تؤدي الى خسارة فادحة للبلدة حيث تبيع العائلات املاكها وتغادر في مغامرة غير مضمونة النتائج. واكدت ان العديد من الذين حاولوا الهجرة اصطدموا بواقع صعب في الخارج مما زاد من تعقيد اوضاعهم الشخصية.

تداعيات الهجرة على النسيج الوطني

واكد راعي الكنيسة الارثوذكسية الاب فراس خوري دياب ان الصراع في فلسطين لا يفرق بين مسيحي ومسلم. واضاف ان الاحتلال يتعامل مع الجميع كهدف واحد ويسعى لكسر ارادة الصمود من خلال تضييق الخناق على السكان ودفعهم للهروب نحو جغرافيا اكثر امانا.

وذكر الاب فراس انه تلقى عشرات الطلبات من عائلات في رعيته تطلب منه مساعدتها في اجراءات الهجرة. واوضح ان هذا الانحسار الديموغرافي يمثل ضربة قوية للهوية الوطنية الفلسطينية التي لطالما تميزت بالتنوع والتعايش التاريخي بين مختلف مكونات الشعب.

وبين ان استمرار هذه الظاهرة سيفقد البلدة جوهرها الثقافي والاجتماعي الذي حافظت عليه لعقود طويلة. واكد ان الوجود المسيحي في الزبابدة ليس مجرد ارقام بل هو شاهد حي على اصالة هذا الشعب وتجذره في ارضه رغم كل محاولات التهجير القسري والطوعي.