بنظرة محايدة على منطقتنا العربية من بعيد، نجدها غارقة في الحروب والصراعات؛ فما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، وبالتدقيق نجد أن مصادر التوتر الكبرى ثلاث قوى رئيسية: الولايات المتحدة التي تصر على ترسيخ مكانتها العالمية، وإسرائيل التي تريد فرض هيمنتها على محيطها، وإيران التي اعتبرت منذ الثورة الخمينية أن من حقها نشر نموذجها السياسي والديني خارج حدودها.
وفي محصلة صراع هذه القوى وطموحاتها المتعارضة، تجد المنطقة نفسها عالقة في دائرة من الدماء وعدم الاستقرار؛ انتهاكات إسرائيلية متواصلة في لبنان، وعدوان مستمر في غزة، وتوتر في الخليج، أما مضيق هرمز فقد تحول إلى عنوان للصراع وأداة للضغط، بينما تعيش دول الخليج بين مطرقة التهديدات الإيرانية وسندان التصعيد الأميركي، هذه المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام هي الصورة الحقيقية لمنطقتنا اليوم.
ويبقى السؤال الأصعب: لماذا تمتلك المنطقة كل هذه القدرة على التعايش مع الصراع، والعجز عن إنتاج حلول دبلوماسية مستدامة؟ فالمفاوضات لا تتوقف، لكنها لا تفضي إلى تسويات نهائية، وفي المواجهة الأميركية الإيرانية تحديداً، بدا الرئيس ترامب وكأنه يصنع الأمل والغموض في الوقت ذاته؛ يفتح باب التفاؤل مرة، ثم يغلقه بشروطه في المرة التالية، لتبقى المنطقة أسيرة دورة متكررة من التوقعات المرتفعة ثم خيبة الأمل.
ورغم عقود من المواجهة، لم يتمكن أي طرف من تحقيق الحسم الذي يريده، فالولايات المتحدة فرضت عقوبات قاسية على إيران، واستهدفت بنيتها العسكرية، وألحقت أضراراً كبيرة بمؤسساتها، لكنها لم تحقق هدفاً سياسياً نهائياً، فدولة بحجم إيران، تمتلك حدوداً واسعة وعمقاً جغرافياً كبيراً، لا يمكن إخضاعها بالحصار الاقتصادي وحده، بينما يتطلب الحسم العسكري تدخلاً برياً واسعاً لا يبدو مطروحاً أميركياً، وهكذا تجد واشنطن نفسها بين خيارين: الاستنزاف أو التسوية.
أما إيران، فقد رفعت منذ الثورة شعارات كبرى؛ إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، وإزالة إسرائيل، وفرض نفوذها الإقليمي، لكنها لم تحقق أيا من هذه الأهداف، فالوجود الأميركي ما زال قائماً، وإسرائيل توسع حضورها العسكري حتى باتت تصل إلى العمق الإيراني، كما أخفقت طهران في تحويل نفوذها الإقليمي إلى استقرار سياسي أو اقتصادي ينعكس على شعوب المنطقة أو على الداخل الإيراني.
صحيح أن إيران استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط، ولوحت بتهديد الملاحة الدولية، وحاولت توظيف الخليج ساحةً للمواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم يتحول إلى مكسب استراتيجي حقيقي، خصوصاً في ظل قدرة دول الخليج على حماية أمنها ومصالحها الحيوية.
أما إسرائيل، فتتصرف وكأن تفوقها العسكري قادر على فرض السلام بالقوة، لكنها تتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة؛ فالجيوش قد تهزم جيوشاً، لكنها لا تهزم الشعوب، ولذلك، ورغم نجاحاتها العسكرية، بقيت عاجزة عن تحقيق سلام حقيقي، فيما تراكمت في الذاكرة العربية والفلسطينية واللبنانية جراح عميقة تجعل المصالحة أكثر تعقيداً.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الهيمنة والعسكرة لا تصنعان الاستقرار، فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، ما تزال تعيش هاجس الأمن والبقاء، وإيران، رغم صواريخها وشبكات نفوذها وبرنامجها النووي، لم تستطع بناء نظام إقليمي تقوده أو تقديم نموذج تنموي جاذب، فحتى المكاسب السياسية التي تحققت للشيعة العرب، جاءت نتيجة التحول الكبير بعد غزو العراق وليس بسبب إيران، أما الولايات المتحدة، فعليها أن تدرك أن الصراع على تخوم الخليج لا يصنع أمنه الدائم، وأن استقرار حلفائها العرب يجب أن يكون جزءاً من رؤيتها لا هامشاً فيها، وأن دول الخليج لا يمكن أن تبقى ساحةً لتبادل الرسائل العسكرية بين إيران والولايات المتحدة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة إقليمية جادة، تبدأ بحوار عربي إيراني يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وضمان أمن الملاحة، وإنهاء سياسة الوكلاء؛ حوار يضم الدول العربية المعنية وإيران حول طاولة واحدة للوصول إلى تفاهمات سياسية ملزمة، قبل التفاوض مع القوى الدولية من موقع الشريك لا الساحة المتنازع عليها.
لقد تعبت المنطقة، فبعد عقود من الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية، باتت بحاجة إلى مراجعة تاريخية شاملة، فلا الولايات المتحدة حققت انتصاراً حاسماً، ولا إيران أو إسرائيل تمكنتا من فرض رؤيتهما، وقد أنهكت الحروب شعوب المنطقة واستنزفت اقتصاداتها، ولم تعد بحاجة إلى منتصر جديد بقدر حاجتها إلى نظام إقليمي يقوم على التوازن والاحترام المتبادل، وحتى تدرك دول المنطقة هذه الحقيقة، سيبقى الشرق الأوسط غارقاً في اللايقين والفوضى.
