كشف صندوق النقد الدولي في تقرير فني حديث عن تشخيص دقيق للازمات الهيكلية التي تعطل مسار التعافي في لبنان، حيث سلط الضوء على الفساد المنهجي الذي ينخر في عظام المؤسسات الرسمية. واعتبر التقرير ان معالجة هذه الثغرات القانونية والادارية باتت ضرورة قصوى لاستعادة الثقة الدولية وتحقيق الاستقرار المالي الذي تنشده البلاد في ظل ظروفها الراهنة.
واوضح الخبراء ان محاربة الفساد وتحديث نظم الحوكمة ليست مجرد خيارات ثانوية، بل هي شروط اساسية لا بديل عنها لاعادة بناء الدولة من جديد. واكد التقرير ان الطريق نحو النمو الاقتصادي المستدام يمر حتما عبر اصلاحات جذرية تنهي حقبة التخبط الاداري وتضع حدا للهدر المالي المستمر.
وبين التقرير ان رحلة الوصول الى هذه النتائج لم تكن مفروشة بالورود، حيث واجهت البعثات الاستشارية عوائق سياسية جمة خلال السنوات الماضية. واشار الى ان حالة الجمود التي سادت نتيجة غياب الاستقرار الحكومي قد تلاشت مؤخرا بعد الانفراجة السياسية التي شهدتها البلاد، مما سمح بفتح قنوات التواصل الفعال وانجاز هذا التقرير المفصلي.
تحولات سياسية تفتح ابواب الاصلاح
واكدت المعطيات ان انتخاب رئيس جديد للبلاد وتشكيل حكومة فاعلة شكلا نقطة تحول جوهرية في مسار التعاون مع المؤسسات الدولية. واضافت المصادر ان هذا الاستقرار السياسي وفر زخما جديدا دفع السلطات اللبنانية للتعاطي بجدية اكبر مع توصيات الصندوق، مما يعزز فرص الخروج من النفق المظلم الذي خيم على الاقتصاد اللبناني لفترة طويلة.
وكشفت البعثة الدولية بقيادة خبراء متخصصين ان الفساد في لبنان لم يعد حالات فردية بل تحول الى منظومة متجذرة تضعف اداء مؤسسات الدولة. واظهر التقرير ان تداخل الصلاحيات وضعف التشريعات ساهما في خلق بيئة حاضنة للمحسوبية، وهو ما يفرض ضرورة ملحة لاعادة هيكلة القطاع العام على اسس من الشفافية والنزاهة.
وذكر التقرير ان المالية العامة تعاني من غياب الانضباط، حيث تتكرر مخالفات المواعيد الدستورية لاقرار الموازنات مع استمرار الانفاق خارج الاطر القانونية. وشدد على ان ادارة الشركات المملوكة للدولة تفتقر الى الحد الادنى من الشفافية، مما يفاقم المخاطر المالية ويهدد بضياع المزيد من موارد الدولة التي هي بامس الحاجة لكل قرش.
استراتيجية شاملة لاستعادة الثقة
وبين التقرير ان مصرف لبنان المركزي يحتاج الى ترتيبات مؤسسية تتماشى مع المعايير الدولية لضمان استقلاليته ومنع تغول السلطة. واكد ان غياب الرقابة الحقيقية ادى في السابق الى ممارسات غير مشروعة، مشددا على ضرورة توفير حماية قانونية للمراقبين الماليين لتمكينهم من اداء مهامهم بعيدا عن الضغوط السياسية او الشخصية.
واضاف التقرير ان القضاء اللبناني، رغم التحديات الكبيرة التي واجهته، بدأ يشهد خطوات ايجابية نحو استعادة عافيته من خلال اقرار قوانين جديدة واستكمال التعيينات القضائية. واشار الى ان تفعيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يظل حجر الزاوية في اي عملية اصلاحية شاملة، شريطة ان تحظى بالاستقلالية التامة والدعم المؤسسي اللازم.
واختتم الخبراء توصياتهم بالتاكيد على ان بناء وظيفة عامة قائمة على الكفاءة والجدارة هو المفتاح الوحيد لاستدامة اي تعافٍ اقتصادي. ودعا التقرير الشركاء الدوليين الى الاستمرار في تقديم الدعم الفني للبنان، شريطة التزام السلطات اللبنانية بتنفيذ حزمة الاصلاحات التي تضمن اعادة الدولة الى مسارها الصحيح وتنهي زمن المحاصصة والفساد.
