كشفت مجموعة الازمات الدولية في تقريرها الحديث الصادر اليوم عن تحول جوهري في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين اسرائيل والضفة الغربية، حيث اشارت المعطيات الى ان الاقتصاد الفلسطيني لم يعد يعاني من تبعية تقليدية فحسب، بل اصبح يواجه سياسة ممنهجة تقوم على الخنق المباشر. واظهر التقرير ان الادوات المالية والمصرفية والتجارية تحولت الى اسلحة ضغط فعالة تستهدف تقويض مقومات الحياة اليومية للفلسطينيين، مما يضع الاقتصاد في قلب المواجهة السياسية بدلا من كونه مجرد ساحة خلفية للصراع.

واوضحت الدراسة ان ما يشهده الواقع الحالي يمثل انتقالا خطيرا من التبعية الاقتصادية التي بدات منذ عام 1967 الى حالة من الخنق المالي المتعمد، واكدت ان الترتيبات التي اعقبت حرب غزة ساهمت في تعميق هذه الازمة، واضافت ان السياسات المالية الحالية لا تنفصل عن التوجهات السياسية لبعض المسؤولين في الحكومة الاسرائيلية الذين يربطون بين الضغط الاقتصادي ومنع اي افق لدولة فلسطينية مستقبلا.

وبين التقرير ان الاقتصاد الفلسطيني ظل منذ عقود مكبلا باطر اتفاقيات قديمة جعلت التحكم في المعابر والتجارة والجمارك بيد الطرف الاخر، واشار الى ان السلطة الفلسطينية اصبحت رهينة لعائدات المقاصة التي تقتطع اسرائيل منها مبالغ طائلة، فضلا عن الارتباط القسري بالشيكل الاسرائيلي الذي حول البنوك الفلسطينية الى مجرد قنوات تابعة للنظام المالي الاسرائيلي.

حرب غزة ونقطة التحول في العلاقة الاقتصادية

وكشفت التحليلات ان السابع من اكتوبر شكل منعطفا حادا في ادارة الملف الاقتصادي، واضافت ان تصريحات وزير المالية الاسرائيلي حول الضغط الاقتصادي تعكس استراتيجية واضحة لتوظيف المال كاداة اخضاع سياسي، وشدد التقرير على ان هذا النهج ادى الى تعطيل قدرة المؤسسات الفلسطينية على التخطيط او الاستثمار، مما خلق بيئة طاردة للاعمال ومحفوفة بالمخاطر.

واكد التقرير ان سلاح البنوك يمثل واحدة من اخطر نقاط الضعف، مبينا ان التهديدات بوقف الضمانات للبنوك المراسلة تثير حالة من عدم اليقين المستمر، واضاف ان هذا التهديد يؤثر مباشرة على قرارات الاقراض والنشاط التجاري، حيث ان الاقتصاد الحديث يتطلب استقرارا وثقة وهو ما تسعى السياسات الاسرائيلية الى تدميره بشكل منهجي.

واظهرت البيانات ان ازمة اموال المقاصة اصبحت شريان حياة مهددا بالانقطاع، واوضحت ان توقف هذه الاموال ينعكس فوريا على الرواتب والخدمات العامة، مما يخلق حالة من الركود التبادلي، حيث يقلل الموظف انفاقه، ويتراجع حجم المبيعات لدى التجار، مما يؤدي الى شلل في الدورة الاقتصادية للضفة الغربية.

تداعيات ازمة الشيكل والحواجز العسكرية

واضاف التقرير ان تراكم مليارات الشواكل في الضفة الغربية نتيجة القيود على اعادتها للنظام المصرفي الاسرائيلي يمثل عبئا اضافيا، وبين ان هذه المشكلة الفنية تسببت في ارتفاع تكاليف التخزين والتامين، مما دفع الكثير من التجار للجوء الى القنوات غير الرسمية، واكد ان هذا الوضع يعكس مدى تعقيد الادوات المستخدمة لتقييد الاقتصاد.

واوضح التقرير ان الحواجز العسكرية جعلت من الضفة الغربية جزر اقتصادية معزولة، وشدد على ان صعوبة التنقل بين المدن رفعت تكاليف النقل والخدمات بشكل غير مسبوق، واضاف ان الاقتصاد لا يمكن ان ينمو في ظل واقع يتم فيه تعطيل حركة البضائع والعمال بشكل يومي وغير متوقع.

واظهرت التقديرات ان فقدان الاف العمال الفلسطينيين لوظائفهم داخل اسرائيل كان ضربة قوية للاقتصاد المحلي، واكدت ان هذه الخطوة لم تكن خسارة للفلسطينيين وحدهم بل طالت قطاعات البناء والزراعة الاسرائيلية، مبينا ان هذا المسار كان يمثل احد اهم قنوات تدفق السيولة النقدية الى الداخل الفلسطيني.

المنطقة ج والتنمية المؤجلة

وبين التقرير ان المنطقة ج التي تشكل نصف مساحة الضفة الغربية تظل خارج نطاق الاستثمار الفلسطيني، واضاف ان القيود المفروضة على البناء والوصول للموارد الطبيعية تحرم الاقتصاد من اهم فرصه التنموية، وشدد على ان اي حديث عن مستقبل اقتصادي هو ضرب من الخيال دون السيطرة على هذه المساحات الشاسعة.

واكد التقرير ان استمرار الوضع الراهن ينذر بمزيد من التدهور الاجتماعي والسياسي، واضاف ان هشاشة المؤسسات الاقتصادية تزيد من احتمالات الانفجار، مبينا ان المطلوب هو خطوات عاجلة لاستئناف تحويل الاموال وتخفيف القيود، واوضح ان الحل الجذري يكمن في البحث عن استقلالية مالية وتقليل الاعتماد الهيكلي على الجانب الاسرائيلي.

واشار التقرير في ختامه الى ان الاصلاحات الداخلية وحدها لا تكفي، واضاف ان الحاجة ماسة لسياسات تعزز الشفافية مع العمل على فك الارتباط الاقتصادي القسري، مؤكدا ان الاقتصاد الفلسطيني يظل مفتاحا رئيسيا لفهم مستقبل الضفة الغربية والصراع برمته.