تتجاوز رحلة شجرة الزيتون في جنوب لبنان حدود استخراج الزيت الذهبي لتشمل ابتكارا محليا يحول مخلفات العصر الى مصدر طاقة حيوي. ففي بلدة ميمس التابعة لقضاء حاصبيا يجري استغلال ما يعرف بالجفت الذي يضم لب وقشور ونوى الثمرة بعد خروج الزيت من المعصرة ليتحول الى وقود صلب بديل عن المازوت والحطب. واوضح العاملون في هذا المجال ان العملية تبدأ بنقل بقايا الثمار بعيدا عن المناطق السكنية وتركها لتجف طبيعيا تحت اشعة الشمس قبل ان تخضع لعملية ضغط ميكانيكي تحولها الى اسطوانات جاهزة للاشتعال.
وبينت التجربة ان هذه القطع الاسطوانية التي يبلغ طولها نحو عشرين سنتيمترا اصبحت تشكل حلا اقتصاديا للكثير من الاسر اللبنانية. واكد المزارعون ان هذا المنتج لا يساهم فقط في تقليل كلفة التدفئة بل يعد استثمارا ذكيا يمنع هدر اي جزء من محصول الزيتون. واضاف اصحاب المعاصر انهم يحرصون على تقسيم حصص الجفت بين المزارعين لكونها جزءا اساسيا من ناتج العصر الذي يتراوح ما بين خمسة وعشرين وثلاثين بالمئة من كتلة الزيتون.
رحلة التحول من مخلفات الى طاقة
وكشفت الممارسات المتبعة ان عملية التصنيع تتطلب دقة في التجفيف لضمان خلو الجفت من الرطوبة قبل ادخاله في آلات ضغط تعمل بمحركات كهربائية قوية. واكد القائمون على هذه المبادرات ان الاقبال على شراء الجفت شهد ارتفاعا ملحوظا نتيجة الغلاء المعيشي وصعوبة الحصول على الحطب الطبيعي بسبب الظروف الامنية التي حدت من الوصول الى الاحراج. واضاف هؤلاء ان الزبائن باتوا يتوافدون من مناطق بعيدة مثل بعلبك وزحلة وزحلة والمتن للحصول على هذا الوقود الذي اثبت فاعليته في المدافئ.
واظهرت الحسابات المالية ان استخدام الجفت يوفر على العائلات مبالغ طائلة مقارنة بالوقود التقليدي. واوضح المعنيون ان التكلفة النهائية للمستهلك تنخفض بشكل كبير رغم ان عملية الانتاج تتضمن اجور عمال وتكاليف تشغيل للمولدات الكهربائية. وشدد العاملون في المعاصر على ان الاستمرار في انتاج الجفت يمثل خدمة اجتماعية وبيئية تهدف الى تخفيف الاعباء عن كاهل المواطنين خلال فصل الشتاء.
اهمية اقتصادية وبيئية للوقود البديل
وبينت المؤشرات ان شجرة الزيتون لا تترك خلفها اي نفايات تذكر في هذه المناطق. واضاف الخبراء ان الزيت يذهب للاستهلاك الغذائي بينما يجد الجفت طريقه الى التدفئة مما يغلق حلقة الانتاج بشكل كامل ومستدام. واكدت النتائج ان هذه العملية تتحول من مجرد عبء على المعصرة الى مورد اضافي يدعم صمود العائلات في الارياف اللبنانية. واوضحت المعطيات الميدانية ان كل موسم زيتون يمثل فرصة لتجديد مخزون الطاقة المنزلي عبر تحويل البقايا الى نار دافئة تواجه قسوة الشتاء.
وكشفت الدراسات المصغرة ان القطعة الواحدة من الجفت المضغوط يمكنها الاحتراق لساعة كاملة مما يجعلها خيارا مثاليا للمدافئ التقليدية. واضاف المستخدمون ان هذا الوقود يوفر استقرارا في تأمين التدفئة بعيدا عن تقلبات اسعار المحروقات العالمية. واكد المزارعون في حاصبيا ان فلسفة الاستفادة من كامل اجزاء الشجرة تترسخ يوما بعد يوم لتصبح نهجا اقتصاديا مستداما يحمي الاحراج من القطع الجائر ويوفر بديلا محليا متاحا للجميع.
